بدا لي من على البعد أن أحد أهم هواجس الرئيس دونالد ترامب هو الانتخابات المقررة لملئ مقاعد نصف عدد أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب. هناك هواجس أخرى لا تقل أهمية بل وبعضها يتشارك في الاهتمام به رأي عام دولي وشركات كبرى تعمل في مجالات التعدين واستخراج النفط أو تسويقه وشركات أخرى تعتمد على السوق الأمريكية وتخشي عواقب زيادات في التعريفة الجمركية يقررها ترامب كعقوبة على دول عارضت قرارًا من قراراته غير المدروسة أو أغضبه تصرف زعيم من قادتها.
أهمية الانتخابات كهاجس يقلق راحة الرئيس الفريد في أسلوب حكمه هي في أنها، أقصد الانتخابات، محكوم عليها مقدما، لو جاءت بما لا يحب الرئيس، بأنها مزورة وتستحق بالتالي إثارة جماعات من الغوغاء لإعلان التمرد ضد السلطات المحلية وإشعال نيران شغب يستدعي استدعاء فرق من الحرس الوطني ضد إرادة السلطات المحلية والشرعية.
***
إلا أن هذه الانتخابات تحديدا تختلف عن غيرها، وهو الأمر الذي أكدته تحركات واستعدادات عدة وعلى مستويات مختلفة، أوجز بعضها في النقاط التالية:
أولا: نشاط غير عادي تقوم به قيادات وأعضاء بارزين في جماعة أيباك الصهيونية المسئولة فعليا عن تمويل الحملات الانتخابية لمرشحين من الحزبين تختارهم الجماع، وفور فوزهم يقع الاختيار على بعض منهم ممن أثبتوا ولاء للصهيونية واستعدادا لدعم سياسات إسرائيل. هذه المرة يختلف الأمر من حيث حجم التمويل وشروط الاختيار. إذ يلاحظ منذ بداية العام الجديد، وهو عام التجديد النصفي للمجلسين، أن فحوصا تجري على سلوك المرشحين للتجديد خلال العامين المنصرمين وبخاصة خلال فترة جرت فيها أكبر عملية إبادة للفلسطينيين في قطاع غزة، وخرج نواب وشيوخ عن تعهدهم الدفاع عن إسرائيل وسياساتها تمادت أم اعتدلت. هؤلاء سوف يخضعون لانتقام أيباك ولتحيزات أنصار إسرائيل في قيادة الحزبين.
ثانيا: هذه أول انتخابات تجرى على المستوى الوطني بعد وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض محمولا على موجة من دعم أنصار “حركة من أجل أمريكا عظيمة مرة أخرى”. يذكر هنا أن الحركة واجهت أول تمرد في داخلها على يد الناشط الشاب ريتشارد كيرك والأقرب في تنظيم الحركة إلى الرئيس دونالد ترامب. جدير بالذكر أن هذا الشاب لم يتردد في إعلان معارضته والتيار الذي يقوده لسياسة الحزب الجمهوري ومجلسي النواب والشيوخ والقيادات السياسية بشكل عام، وهي السياسة المؤيدة لإسرائيل على طول الخط، ولحجم المعونات التي تخصص كل عام لإسرائيل وإن على حساب الطبقات المحتاجة في الولايات المتحدة. المثير في الموضوع اغتيال الناشط الشاب خلال اجتماع خطابي حضره المئات من أنصاره في حركة “ماجا”، أقصد “حركة من أجل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، وفي اليوم ذاته عمت واشنطن الاتهامات عن مسئولية الموساد عن قتل الشاب كيرك. المثير أن لا أحد من المسئولين في حكومة الرئيس ترامب اهتم بالبحث أو التحقيق، بل وكان واضحا أن القرار اتخذ بالتزام الصمت والتعتيم على كل مظاهر الغضب داخل الحركة.
ثالثا: في العام ذاته، العام الأول في ولاية الرئيس ترامب، أخطأ الرئيس ترامب ومساعدوه، باتخاذ قرار غزو فنزويلا. أحدث القرار هزة جديدة داخل الحركة الداعمة للرئيس ترامب بسبب الأصداء الدولية والداخلية المنددة بالقرار خاصة وأنه اُتخذ بدون العودة للكونجرس للحصول على تأييد مسبق لعملية الغزو، الخطأ الذي كثيرا ما حذر من ارتكابه مختلف المشرعين على امتداد الحكومات. تضاعف حجم الضرر السياسي الناجم عن هذا الخطأ عندما تأكد أن حكومة الرئيس ترامب لم تكن مزودة بخطة عمل سياسية أو اقتصادية تبرر هذا الغزو وتأتي في أعقابه. جدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي حاول تصحيح الخطأ بعقد اجتماع دعا إليه رؤساء جميع الشركات العملاقة العاملة في استخراج وتسويق النفط، وجميعهم حسب ما تسرب إلى أجهزة الإعلام رفض الاستثمار في فنزويلا رغم أنها صارت تحت إدارة أمريكية وأن ترامب عين نفسه رئيسًا لها حسب أحد تصريحاته. هذا الموضوع برمته يمثل نكسة شديدة للحزب الجمهوري فضلا عن أنه كشف عن خلل شديد في بنية الحزب الديموقراطي وربما ألمح إلى صعوبة أن يحقق هذا الحزب أي تقدم في انتخابات النصف المقرر إجراؤها في نوفمبر من العام الجاري.
رابعا: استطرادا للحديث عن حال الحزب الديموقراطي في سنة انتخابية، أي في سنة حاسمة في النظام السياسي الأمريكي، أضيف أنه ليس غائبا عن ذهن الكثيرين في أمريكا وبخاصة الرئيس ترامب الذي لم يكف عن توجيه الإهانات، إهانة بعد أخرى، للمسئولين في هذا الحزب، ليس غائبا واقع أن الحزب الديمقراطي لم يعثر بعد على رئيس جديد يقود الحزب بعد أن تخلى الرئيس السابق جو بايدن عن الترشيح للرئاسة ضد ترامب وتقرر ترشيح السيدة كاميلا هاريس بدلا منه. المقرر الآن من حيث المبدأ أن يتنافس على رئاسة الحزب في هذه السنة لقيادة عملية الانتخابات النصفية السيدة هاريس مع جافين نيوسوم حاكم ولاية كاليفورنيا، ويبدو أن الحزب لا يزال عاجزا عن حسم هذا التنافس والبدء في التعامل مع مجموعة من الكوارث تسبب فيها الرئيس ترامب بسياساته غير المدروسة وخضوعه لتوجيهات وتدخلات الحكومة الإسرائيلية والهيمنة المتصاعدة والمزودة باجراءات مستحدثة من جانب منظمة أيباك الصهيونية.
المثير مؤخرا ما يتردد عن تطورات دفعت إلى سطح الأحداث بتسريبات تلمح إلى ضغوط تبذل لحث زهران ممداني عمدة نيويورك الجديد على التقدم بحملة لشغل منصب رئيس الحزب الديموقراطي.
تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

