يتكرر نفس السيناريو تقريباً مع اختلافٍ في بعض التفاصيل:
بلدٌ ما يملك ميزات خاصة أو ثروات هامة، تحكمه دكتاتورية جشعة مشكلتها الوحيدة بنظر الولايات المتحدة هي عدم خضوعها الكامل للإرادة النيوكولونيالية العظمى. وبما أن الديكتاتوريات غير مقبولة من شعوبها عموماً، فمن السهل على البلد النيوكولونيالي المهيمن اصطياد الفرص وتغذية التذمر والاحتجاج. يلزم لذلك فرض عقوبات طويلة الأمد، قاسية، تطال الناس في حياتها وتطيل معاناتها. ولأن الدكتاتوريات تحمل عادةً بذور ضعفها في تكوينها، ولأنها تخاف معارضيها أكثر من أعدائها، فإنها غالباً ما تسيء التصرف وتجرم بحق شعوبها حفاظاً على المكاسب والكرسي.
الشعب المجزأ أصلاً يعاني بشدة، فيهاجر أو يبقى تحت ظروفٍ خانقة، تزداد انقساماته تحت ضغط الحاجة وتصل ذروتها لحظة انهيار السلطة القائمة إما “بانقلاب” أو “بتحرير” أو “باختطاف” كما حصل اليوم في فنزويلا.
حينها، تختلط الأوراق مرة أخرى وينقسم الشارع من جديد بين مهنئين وساخطين. تظهر الفوارق التي كانت مخفية خلف أولويات أخرى. تخرج رغبات الثأر وتصفية الحسابات، يزداد العنف اللفظي الذي سرعان ما يتحول إلى اصطفافات واقتتال داخلي.
البقية سهلة: تدير السلطة النيوكولونيالية الصراعات الداخلية من بعيد، تتورط قليلاً وتختفي قليلاً خلف تعقيدات المشهد، تستولي على الاقتصاد والمنافذ وتُنشئ بعض القواعد المعَّدة سلفاً. تفرض لائحة شروط وتراقب دقة تنفيذها. يتحسن الوضع بما يكفي كي تصدِّق أكبر شريحة ممكنة من الناس أن الأمور تسير إلى الأمام … يلزم لذلك أيضاً صحافة وإعلام وتصريحات براقة حتى إن ابتعدت عن الأساسيات. لا داعي للمبالغة، فالناس التي طال حرمانها وقهرها ترضى بالقليل: توقف العملة عن الانهيار، ساعات كهرباء أكثر، توفر بعض السلع بكثرة كالوقود مثلاً، ووعودٍ خلبية بمشاريع قادمة.
لا شيء جديد في فنزويلا؟ ربما الفجاجة التي جرت بها الأمور وتصريح ترامب أنه سيدير البلد مما يعني احتلالاً مباشراً لايختفي خلف أي اسم آخر. سنرى مع الأيام.. لكن يمكن ملاحظة التزام بعض الدول كالصين مثلاً بالقانون الدولي أمام ميوعة بعض المواقف الأوروبية وابتعادها عن الإدانة المباشرة ( يمكن المقارنة مع الموقف من أوكرانيا) كالموقف الفرنسي الذي ليس فقط لم يُدِّنْ العملية ولكنه لم يتطرق لحظة إلى القانون الدولي ومرجعيته.
ترامب أجاب على سؤال خلال مؤتمره الصحفي أمس، إذا كان مافعله سيغضب بعض الدول كالصين قائلاً أنه سيتابع بيع النفط إليهم بل إنه سيبيع أكثر. هذا كل ماحصل إذن : لقد تغير البائع لا السلعة، لئن تكن السلعة بترولاً أو “ريفييرا غزة” أو الجولان الذي كان الرئيس الأميركي قد قدمه هدية إلى المحتل وهو يساوي تريليونات الدولارات حسب القرصان ترامب نفسه.

