أما وقد طمأننا رئيس حكومة السلطة البلا أرض ولا سلطة، محمود عباس، إلى أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو مجرد خلاف سياسي عارض، مثله مثل الخلاف بين دحلان وقريع، وليس له أي بُعد قومي، ولا له أي عمق عقائدي، وليست له أية صلة بالأرض وحقوق أهلها فيها وهوية هؤلاء الأهل المقيم منهم، تحت الاحتلال، والمهجَّر إلى ديار الشتات لاجئاً بفضل الاحتلال…
ثم وقد طمأننا الرئيس الأميركي جورج بوش إلى أن قواته التي أوفدها لاحتلال العراق في مهمة تحضيرية لشعبه المتخلف الذي لا يعرف شيئاً عن الشرائع أو عن حقوق الإنسان، ستبقى في أرض الرافدين حتى تستنبت فيها الديموقراطية، وبفضلها تكتشف على مهل مخابئ أسلحة الدمار الشامل، بعبقرية الحاكم »البغدادي« العريق بول بريمر.
بعد أن هدأت نفوسنا وزال القلق حول عروبة فلسطين، أرضاً وشعباً و»دولة«، وحول تحرّرها من العداء الثقيل للصهيونية ومشروعها العنصري الاستعماري الاستيطاني الممثل بدولة إسرائيل، فلم يعد لاهتمامنا بمصير فلسطين مبرّر، لأن الخلاف السياسي يمكن أن يحل داخل الكنيست والمجلس التشريعي، أو عبر لجنة مشتركة من عباقرة »سلام الشجعان«…
.. وبعد أن زال القلق حول العراق وهوية شعبه ووحدة كيانه السياسي (مع تناسي ثروته النفطية)…
أما وقد استعدنا الطمأنينة وزال القلق فقد بات بإمكاننا أن نلتفت بشيء من الاهتمام إلى بعض الشؤون المحلية العارضة وأبرزها الإنجاز التاريخي الذي حققه المجلس النيابي بالتواطؤ مع حكومة الثلاثين وزيراً، يوم أمس الأول، الثلاثاء في الأول من تموز 2003، والمتمثل في استيلاد محافظتين جديدتين في البقاع الشمالي (بعلبك الهرمل) وفي أقصى الشمال (عكار)…
* * *
ة دخل »أبو علي« الذي من وادي الرطل من اعمال الهرمل، على زوجته الحامل وهو يهتف فرحاً: إذا كان المولود بنتاً فسنسميها محافظة! لقد انتصرنا! ستعيش ابنتنا في عز بعد فاقة! لقد اعترف بنا لبنان، أخيراً، وأخذنا في أحضانه! انتهى الحرمان والإهمال والمهانة! لم نعد أغراباً في وطننا، صرنا مثل أولاد بيروت والجبل. صرنا من أهل الدرجة الأولى! صارت بلادنا محافظة!
ةة أما في عندقيت من اعمال بلاد عكار فقد ذبح »بدوي« كبشاً ودعا النواب الذين رفعوا رأسه عالياً وجعلوه يتخطى عقدة النقص. قال لهم: لو انتخبتكم عشر مرات لما وفيت جميلكم!
ةةة في »وادي الرطل« جلس »أبو علي« يحلم بصوت عال تقصّد أن تسمعه زوجته وجنينها. قال: سيشاد، أخيراً، السد على العاصي وسنستطيع ري الأرض البور فنحييها بعد موات. وستقام مصانع تعليب الفواكه والخضار. سيصير للمشمش سوق، سنبيعه مجففاً، وسنبيعه مربى، وستبنى المعامل لتصنيع الألبان والأجبان وسائر مشتقات الحليب، وسيستغني الناس عن الحليب البودرة.
ةض أما في عندقيت فكان »البدوي« يدعو النواب إلى مشاركته أحلامه: سيرجع الفلاح سلطاناً، بفضلكم.. ولن يضطر بعد اليوم لأن يهجر أرضه إلى أي مهجر يستطيع الحصول على تأشيرة تسمح له بدخوله.
ض في اليمونة كان شيوخ العشيرة يناقشون أمراً خطيراً: مع اعلان المحافظة سيبدأ العمل في ما تبقى من بحيرة اليمونة. سيتم، بالتأكيد، تنظيف البحيرة وتعميقها وتعقيم المياه. وسيتم التثبت من حسن توزيع مياه الشفة على أهالي المنطقة، فلا تذهب المياه إلى ري حقول الحشيشة أو البطاطا أو أية زراعة أخرى على حساب الناس الفقراء الذين يدفعون الاشتراكات ولا يحصلون على حقهم في ان يشربوا مياهاً نقية.
ضة وفي دير الأحمر تلاقى جمع من الوجهاء في الكنيسة، والتفوا من حول كاهن الرعية يناقشون التطورات الخطيرة التي ستتوالى في منطقتهم بعد »قيامة« المحافظة. قال كبيرهم: ستشق الاوتوسترادات التي تربط أنحاء المنطقة بعضها بالبعض الآخر، وسيتم تشجير الأراضي التي لم تعد تطعم أصحابها فهجروها. وستوزع الابقار على السكان بعد ان تستردها »المحافظة« ممن سرقوها!
ضةة في بعلبك التي ستغدو »عاصمة« تحلق جمع من بسطاء الناس من حول عازف ربابة وضارب طبل بينما انعقدت حلقة دبكة »على حاشيتها« أبو يحيى بشاربيه المعقوفين حيث يقف الصقران، بتعبير زكريا أحمد ومن بعده عصام رجي.
قال شاب أنهى للتو دراسة الحقوق: ستزال المخالفات المرتكبة، وهي كثيرة، سواء في المباني أو في التعديات على حرم القلعة، وسيعاد نصب الاشجار المعمرة محل تلك التي قطعها أهل الجهالة على طريق رأس العين. وبالتأكيد سيأتي الآن المستثمرون إلى المحافظة البكر، فيبنون فيها الفنادق ذات النجوم والمطاعم ذات المآكل الشهية، وقد يفتح بعضهم »نادياً ليلياَ« يأتي بالراقصات والمطربين والمطربات، لا سيما الجديدات الناجحات في الامتحانات الصوتية النزيهة!
وقالت فتاة تتابع دراستها في بيروت: سيجيء المحافظ بالجامعة. أليس هو الممثل الشخصي لرئيس الدولة؟ أي إنه على كل شيء قادر! وستكون في هذه الجامعة كليات علمية، وإلى جانبها معاهد عليا للتكنولوجيا الحديثة، »انترفاس«، وسائر مشتقات الكومبيوتر!
أما الجدة العجوز التي كانت تصغي فلا تعرف موضوع الحديث تماماً فقد زغردت فجأة، وقالت: ستحل مشكلة المستشفى الحكومي الأبدية، وربما بنت الدولة مستشفيات تخصصية أخرى. اسألوا المحافظ ان يبني مستشفى للربو والأمراض الصدرية لعله يعالجني قبل ان يحين أجلي!أهالي عكار بدأوا منذ الآن يبيعون المواسم الآتية للفستق الحلبي، وإن كان بعضهم من الأكثر »عصرية« باشر بإنشاء المحالج وبناء مصانع الغزل والنسيج. وقال ناطق باسمهم: سنبيع أقطاننا للعالم كله. سيؤمن لنا المحافظ دخول السوق الأوروبية المشتركة واليابان وربما الصين!
ورد مواطن من اكروم: سيأمر المحافظ ببناء سدود ترابية تحفظ لنا مياه الأمطار لنروي أرضنا بها صيفاً… سينتهي عصر الفقر والفقراء. يعيش المحافظ! تعيش المحافظة!
لكن فصيحاً من بين الأهالي طرح سؤالاً ازعج به الحضور. قال: هل وافق السنيورة؟!
***
في القاموس التنموي كانت كلمة »بلاد« تطلق على المناطق الاكثر تخلفاً او بعداً عن العصر او عن العاصمة: بلاد بعلبك، بلاد جبيل، بلاد بشارة، بلاد البترون، بلاد عكار الخ.
وليس مؤكداً ان تحويل القائمقامية الى محافظة هو الحل الاقتصادي التنموي الامثل للوضع المأساوي التي تعيشه تلك »البلاد« فعلا، حيث الزراعة باتت مصدراً للخسارة السنوية وسبباً لهجرة الاهالي الداخلية حيث يتكدسون في »الضاحية« على حافة الجوع، او يهاجرون الى حيث يمكنهم تمزيق جوازات سفرهم لكي يحصلوا على »لجوء سياسي« بوصفهم مهددين بالقتل لأسباب سياسية!
لن يستطيع »المحافظ«، مهما بلغت كفاءته، ان يثبت الناس في ارضهم ما دامت ارضهم لا تطعم عيالهم، ولا هو سيقدر على توفير فرص العلم والطبابة والاستشفاء، ولن يتمكن من انعاش المناطق المهملة منذ بداية التاريخ، خصوصاً انه موفد من إدارة مفلسة، قبل ان نتحدث عن الفساد فيها (مثلا) او البيروقراطية، او المحسوبية او الطائفية الخ…
***
ان المجلس النيابي قد اكد بقرار المحافظتين غيابه الفعلي، بدل ان يؤكد حضوره. انه كمن يطلب عطراً ليرشه على وجه مريض مهدد بالموت جوعاً.
وإذا كان هذا البلد الصغير بمساحته يتسع لثماني محافظات فلماذا القائمقاميات؟ لماذا لا تصير المحافظات عشراً او اكثر وتلغى القائمقاميات، اذا كانت الغاية اختصار الطريق الى القرار ومكافحة الروتين والتسهيل على المواطنين؟
لماذا لا تعتمد اللامركزية الادارية فعلا وبالكامل، وهي بين بنود وثيقة الطائف؟! لماذا هذا التقسيط غير المريح في معالجة مسألة جدية تهم المواطنين جميعاً اذ تبسط عليهم الاجراءات والتعقيدت البيروقراطية و»عد إلينا الاسبوع المقبل«؟!
ليست هذه مسألة تفصيلية!
انه قرار يدل على عقم الحكم، بمؤسساته جميعاً، واحتقاره لعقول الناس، وتعاميه عن اوجاعهم الحقيقية، وهروبه الى القرارات السهلة التي تجمّل بعض ظواهر المرض بدلاً من ان تتوجه الى محاولة شفائه.
زاد لبنان محافظتين، لننتظر فنرى كم سيزيد عدد المهجرين او المهاجرين من ارضهم الى اي »ضاحية« لأي مدينة في اربع رياح الارض!
بحث
Subscribe to Updates
Get the latest creative news from FooBar about art, design and business.
المقالات ذات الصلة
© 2024 جميع الحقوق محفوظة – طلال سلمان