أبله هو ذلك الذي يفترض إننا نشهد نهايات الصراع العربي – الإسرائيلي، وإن بضعة تواقيع إضافية ستلغي أمة تبحث بعد عن ذاتها وتحاول أن تحمي وجودها وهويتها وحقها في أرضها.
هو طور جديد من أطوار هذا الصراع المفتوح، والذي يتأكد الآن وأكثر من أي يوم مضى أنه “كوني”، وإنه “تاريخي”، وإنه “خطير جداً” في تأثيراته المباشرة وغير المباشرة، على العالم كله، سلامه واقتصادياته ومعدلات النمو ووتيرة التقدم العلمي في أنحائه جميعاً. هل بقيت دولة واحدة، صغيرة أو كبيرة، خارج غزة – أريحا؟
ومن يخرج نفسه من هذا الصراع بالصلح المنفرد والتسليم بالشروط الإسرائيلية لا يفعل غير إيذاء أمته وشعبه، وغير إضافة مشكلة جديدة إلى مستقبل أجياله الآتية والمثقلة سلفاً بالمهام شبه المستحيلة.
ليس العجز عن الحرب طريقاً حتمياً إلى الاستسلام.
ولا يوم كان الخيار محدوداً وضيقاً ومحكوماً بعقارب الساعة: تحارب الآن فتنتصر أو تذعن فوراً لشروط العدو فتتنازل له عن أرضك وحقوقك التاريخية بحجة إنك إنما تستنقذ بذلك ما مبقى منها مما ستعجز عن حفظه بالسلاح!
الصمود خيار حقيقي، أيضاً. قد يكون مكلفاً وقاسياً، وقد يبدو في ظل التحولات التي بدلت صورة الكون وتوازنات القوى فيه، وكأنه مقامرة قد تنتهي بخسارة الدنيا والآخرة… لكنه بكل قسوته وأكلافه يظل أضمن للمصالح الوطنية وللحقوق القومية، ولو بحدودها الدنيا، من اتفاقات الإذعان التي تأخذ فيها إسرائيل كل شيء غنمته بقوة السلاح، ثم “تتنازل” عن بعض ما كانت ستأخذه في حروب لاحقة!
ولقاء جنيف العتيد بين الرئيس السوري حافظ الأسد والرئيس الأميركي وليام كلينتون إحدى ثمار سياسة الصمود التي لا تعني أبداً الانتحار ولا تعني افتعال معارك دون كيشوتية مع القطب الكوني الأوحد، ولكنها تستخلص من الواقع الموضوي قانون الحركة (والمواجهة المحسوبة) ومداها وتفيد من كل القدرات المتاحة، الظاهرة والمضمرة، ومن حدود القدرة على استخدام القوة عند الخصم… فليس العالم “صهيونياً” بالمطلق، ولا هو ساحة تدريب بالذخيرة الحية لجيش الدفاع الإسرائيلي. كذلك فإن للمصالح الضخمة منطقها، وليست القوة وحدها الطريق السليم والدائم لحمايتها.
لقد رأى البعض في هذا اللقاء في منتصف الطريق إنجازاً سياسياً للدبلوماسي الأميركي المخضرم وارن كريستوفر،
لكن المواطن العربي يرى فيه أبعاداً أخرى تعنيه وتخاطبه مباشرة: إنه إنجاز لسياسة الصمود التي يتبعها الرئيس السوري حافظ الأسد، والتي تختلط فيها الشجاعة بالحكمة والحسابات الباردة بالمواقف القومية “الساخنة”، والقراءة الذكية لخريطة التحولات في الكون مع استشفاف للاحتمالات التي قد تجيء بها الايام والتي تشغل مقدماتها و”طلائعها” حيزاً محترماً من الحياة السياسية سواء في المجتمعات العربية أو داخل المجتمع الصهيوني.
إن هذا اللقاء في منتصف الطريق، والذي نجح الرئيس الأسد دائماً في الوصول إليه مع ثلاثة من الرؤساء الأميركيين (كارتر، بوش وآلان كلينتون) هو تعويض معنوي ينعش الإحساس بالكرامة لدى المواطن العربي الذي كاد يقتله الهوان وهو يرى بعض “الأكبر” و”الأغنى” و”الأقوى” من حكامه يتهافتون على اتفاقات الصلح المنفرد بما يضيع عليه حاضره وغده، وتاريخه مع أرضه.
إن العرب ضعفاء… لكن بعض حكامهم هم أفصح عناوين الضعف فيهم. ثم إنهم يعكسون في تصرفاتهم حالة غربة عن شعبهم، أو بالأحرى حالة خوف كامن منه، تجعلهم يهربون منه إلى العدو الذي يبدو وكأنه “حصن أمان” لهم، أو يفترضونه كذلك.
لكأنهم طامحون إلى الاستسلام، يستعجلونه ويلحون في طلبه ويلهثون وراءه، ولو أنهم كانوا أكثر صبراً وأكثر تنبهاً لقدرات بلدانهم، ولو أنهم حافظوا على الحد الأدنى من التماسك والتضامن، لتوصلوا إلى تسوية أكرم وإلى “حلول” مرضية قد تساعدهم على تصحيح علاقاتهم المأزومة مع “رعاياهم”، ثم إنها تربط النزاع مستبقية للأجيال الآتية ما تعمل من أجله.
ومراجعة بسيطة لما سبق أن قاله كلينتون في حافظ الأسد، خلال حملته الانتخابية ثم في أيامه الأولى في البيت الأبيض تكشف كم أن الصمود أجدى وأفعل في تعديل السياسات، حتى سياسات القطب الأوحد، من التهالك على اللاشيء في واشنطن كما في تل أبيب.
بحث
Subscribe to Updates
Get the latest creative news from FooBar about art, design and business.
المقالات ذات الصلة
© 2024 جميع الحقوق محفوظة – طلال سلمان