… حتى التمنيات بعام سعيد كانت ذابلة تتعثر كلماتها وسط مصاعب التمني!
لكأن العرب مسافرون في رحلة لا عودة منها إلى عنوان مجهول للسلامة التي تكاد تختزل الآن طموحاتهم والأحلام التي تآكلت بفعل الزمن والعجز عن تحقيقها.
إنهم ينتظرون، فقط ينتظرون، ولا شيء غير الانتظار وقلقه الممض.
حتى فسحة الانتظار يرونها مكسباً: أليست عمر إضافياً؟!
الآن ينتظرون بيل كلينتون ليعرفوا شيئاً عن مستقبلهم الغامض لشدة قتامتهم ولانتفاء دورهم في صنعه.
لقد ذهب العصر الذهبي للتغييريين منهم، وكان موت آخر رئيس سوفياتي، اندروبوف، هو الإعلان النهائي بانقضاء زمانهم وكذلك زمان الاتحاد السوفياتي نفسه والثورات التي تبدل العالم.
وها قد ذهب العصر الذهبي للنفطيين من أيتام “عاصفة الصحراء” مع “المحرر” جورج بوش…
لقد تبدل الكون وهم في غفلة عما يجري فيه فأمسوا حيارى تحسبهم سكارى وما هم بسكارى، لا يهمون بأمر حتى يتركوه خوفاً من احتمال الخطأ والسقوط من عين “السيد الجديد”.
وبقدر ما فرحوا بأن التبدل لم يشملهم، حتى الساعة، فهم قلقون من أن يجيء دورهم في أية لحظة، فباب التبديل ما زال مفتوحاً، بل لعله قد انفتح على مصراعيه مع قدوم هذا “المجهول” بيل كلينتون!
لذا فهم يسرعون في تشطيب كل قوى التغيير المحتملة، مهما كانت إمكاناتها ضئيلة. إنهم يسدون منافذ الريح، فمن يدري؟! ألم يقل الشاعر القديم: إن عظيم النار من مستصغر الشرر؟!
وهكذا تلاقت سيوفهم على “الأصوليين” فرموهم بفرية “الإرهاب” وقالوا: نقدمهم قرباناً فتفتدي أنفسنا بهم!
تلاقوا تحت لواء “أصولي عريق” هو الوهابي السعودي، وأعلنوا “الجهاد المضاد” ضد “المجاهدين” المتأخرين في الزمان أجيالاً عن مؤسس الحركة الأصولية الحاكمة في مملكة الذهب الأسود والصمت الأبيض،
والمنظر سوريالي الآن على امتداد الوطن العربي الكبير: فكل “الإسلاميين” القدامى مشتبكون مع أبنائهم وأحفادهم الإسلاميين الجدد!
للمثال فحسب نذكر بأن حكام الجزائر الحاليين قد تخرجوا من حضن الجامع و”الكتاب” و”ابن باديس”، وكانت راية ثورتهم وشعاراتهم إسلامية، وكان يؤخذ عليهم نقص في العروبة مقابل فائض في الإسلامية.
إنهم اليوم يطاردون “الإسلاميين الجدد” بالرصاص في الشوارع، بعدما عطلوا الانتخابات التي كادت توصلهم إلى السلطة وسدة الشرعية!
للمثال أيضاً نذكر بأن قيادة فتح التي صارت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي صارت رئاسة دولة فلسطين تمتي بأصلها وفروعها إلى “الأصولية” القديمة، من حركة الأخوان المسلمين إلى حزب التحرير الإسلامي الخ… وهي اليوم مشتبكة مع رفاق سلاحها القدامى تنكر عليهم هويتهم وتصنفهم “إرهابيين” وتتهمهم بأنهم ينازعونها على السلطة ويريدون أن يسرقوا منها الشرعية!
للمثال أيضاً وأيضاً نذكر أن الحكم الحالي في مصر قد أرسى دعائمه “الرئيس المؤمن محمد أنور السادات”، وأنه استعان بـ “الأصوليين” إياهم لضرب العروبيين والتقدميين في مصر عبد الناصر، فنافقهم وزايد عليهم في “التدين”، ثم أباح لهم أرض الكنانة ينشطون فيها فيطاردون كل من لا يقول قولهم حتى الإبادة،
أكثر من ذلك، لقد أبيحت لهم أموال المصريين البسطاء، آلاف الآلاف منههم، ممن كانوا يدخرون بعض القروش البيضاء للأيام السوداء، أو أولئك الذين كانوا يعملون في الأقطار النفطية ويجمعون الريال على الريال ليستعينوا بتحويشة العمر على الزمان… ولقد نهبوها جميعاً وحولوها إلى المصارف الأجنبية في “بلاد الكفر والفحشاء”، ثم انتهت مهازل محاكمتهم إلى لا شيء!
إن هؤلاء هم الذين يطاردهم النظام بالرصاص في شوارع القاهرة والإسكندرية وأسيوط وديروط وقنا والفيوم والمنيا وأسوان.
“الإسلاميون” يقتلون “الإسلاميين” بعد تكفيرهم!
ألم ينتبه الرئيسمبارك، مثلما انتبه سلفه، إلى أن اسمه يبدأ باسم الرسول العربي العظيم “محمد” فاستعاده توكيداً لإيمانه؟!
الأمثلة بلا حصر، لكن ما يلفت أن الحملة لاستئصال “الأصولية” في الأرض العربية تأتي متزامنة ومترافقة مع تحريض إسرائيلي يومي للإدارة الأميركية، ومع نمو اتجاه فاعل داخل مؤسسة الحكم الأمخيركية، يحبذ ويعمل على تصوير الأصولية الإسلامية وكأنها الخطر الجديد الباقي مهدداً لأركان النظام العالمي الجديد بقيادة واشنطن.
طبعاً، تحت لافتة مكافحة الإرهاب الذي يصير – بالتدريج – مرادفاً للأصولية، وبالتالي مرادفاً يجمع في طياته العروبة (القديمة) والإسلام (الأصلي) يتم القضاء على أية قوة تقول بالتغيير أو تهجس به أو تحلم به ولو من دون أي عمل جدي!
وبإرهاب المتهمين بالإرهاب يتم تجميد الحياة السياسية العربية فتتحول إلى مستنقع آسن تعشش فيه الأمراض والجراثيم القاتلة.
إنها أمة مهددة بالموت صمتاً!
لذا يتجرأ عليها من لم يكن شيئاً مذكور!
ولذا يخرج على إرادتها من كان اسمه تهمة كهذا “الشيخ ابن الشيخ” في الكويت الذي ارتكب جرم الخيانة علناً، بحق بلاده ومؤسساتها الدسصتورية أولاً، ومن ثم بحق أمته وقضاياها المقدسة.
ولولا الاشتباك المفتعل بين من ينتحلون صفة الحكم باسم العروبة وبين من يدعون الأحقية في الحكم بذريعة النسب الشريف،
ولولا الاقتتال الوحشي بين “إسلاميي العهد الوهابي القديم” و”إسلاميين العهد الأخواني” الجديد أو المجدد،
لولا هذا وذاك، لما تجرأ على هذه الأمة قوي من خارجها أو حقير من داخلها.
في هذا الوقت تنهمك “المملكة” بإعداد موازنتها المنهكة ومحاولة التسوية بين النفقات والواردات.
أما في بيروت فتنهمك الدولة بالترويج لسندات الشركة العقارية لإعمار الوسط التجاري، ويتحول المجلس النيابي الجليل إلى صالة عرض لخرائط المشروع الذي لا يعرف صاحبه جدواه الاقتصادية، ومع ذلك أقنع بجدواه بعض فقراء الله أمثال لادن وعصام فارس وصالح كامل وآخرين ممن لا يعرفون الربا أو المال الحرام أو الربح الفاحش ولا يقربونه.
أفليس الله يعطي من يشاء ساعة يشاء وبغير حساب؟!
أم أن هذا القول بات محظوراً إذ يصنف قائله إرهابياً ويحشره في زمرة “الأصوليين” المطاردة حتى يوم الدين؟!
بعضهم يقول بلى ، وبعضهم يقول لا، والله أعلم.
وحسبنا الله ونعم الوكيل!
بحث
Subscribe to Updates
Get the latest creative news from FooBar about art, design and business.
المقالات ذات الصلة
© 2024 جميع الحقوق محفوظة – طلال سلمان