بعد أن تستمع، وفي بيروت كما في دمشق، إلى العائدين من واشنطن ونيويورك، وفيهم مسؤولون كبار وساسة نابهون ورجال فكر وقلم، يتعزز لديك اليقين بأن المشكلة في الحكام العرب أكثر مما هي في الإدارة الأميركية (المنحازة دائماً للعدو الإسرائيلي)، وربما أكثر مما هي في قادة الكيان الصهيوني أنفسهم!
المشكلة في “التفريط” العربي، في “الهوان” العربي، في “الانبطاح” العربي، في “الاستعداد” العربي للتخلي عن الحق كله في مقابل سلامة رأس السلطان!
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد سمع بعض هؤلاء الزوار العرب، وفيهم أصحاب مستوى رفيع، من كبار المسؤولين الأميركيين اعترافاً صريحاً بالتورط في الخطأ والتوغل فيه بحيث بات صعباً التراجع عنه، في ثلاثة مواضيع دقيقة وحساسة ومتفجرة، على النحو التالي:
1 – سمعوا من الرئيس الأميركي بيل كلينتون، شخصياً، ما يشبه الاعتذار عن التقاعس والتخلي ثم العجز عن إنقاذ المسلمين في البوسنة والهرسك، مع وعي لخطورة هذا التقصير على مستقبل العلاقات بين واشنطن وعموم المسلمين والعرب منهم في الطليعة.
2 – سمعوا من مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية انتقاداً حاداً للتورط العسكري في الصومال الذي حوّل المهمة الإنسانية المزعومة إلى غزو مسلح وحول “النجدة” إلى مأزق لواشنطن وليس لمقاديشو… وأيضاً مع وعي لخطورة هذا التورط على مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والعرب أساساً ومعهم سائر المسلمين.
3 – سمعوا في ردهات وزارة الخارجية كما في مراكز الأبحاث العديدة انتقادات عنيفة لمسلك الإدارة الأميركية تجاه أحداث “الاثنين الأسود” في موسكو… وما كان يقوله الرسميون همساً كانت ترتفع به علناً أصوات الخبراء والمحللين والمفكرين والكتاب عبر الندوات المتلفزة والمقالات الصحافية: كيف يمكن للنظام الذي يعتبر نفهس نموذجاً للديمقراطية وراعياً لحقوق الإنسان أن ينحاز إلى الدبابة ضد البرلمان؟! وكييف نحرّض بوريس يلتسين على استخدام القوة العسكرية ضد معارضيه من النواب؟!! أوليس نفاقاً مكشوفاً ورياء مفضوحاً أن نؤيد رجلاً ذا نزعة دكتاتورية في محاولته إبادة المعارضة جسدياً؟! ألم ننصر ذات يوم “المعارض” يلتسين باسم الديمقراطية، كيف إذاً نحرّض هذا “اليلتسين” الآن وقد تحول إلى مشروع طاغية وحاكم فرد على تدمير كل المؤسسات التي ساندناها ذات يوم باعتبارها حصن الديمقراطية؟!
لكن الانتقاد عند العرب حرام بينما “النقد” حلال!
حتى عندما يتصل الأمر بالقضية العربية – الأم، الصراع العربي – الإسرائيلي، والطريقة الأميركية في معالجته، فإن مسؤولين أميركيين كباراً كانوا مستعدين للاعتراف بما لا يجرؤ معظم الحكام العرب على الاعتراف به من أخطاء وخطايا تكاد تمزق ما تبقى من كرامة العرب وحقهم في أرضهم،
وعلى سبيل المثال لا الحصر:
*فإن “الإدارة الأميركية” أقل حماسة للاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني، وأكثر وعياً بوجوه النقص والخلل فيه والمخاطر التي تتهدده من معظم القادة العرب،
وفي حين يحاول المسؤولون الأميركيون التنصل من مسؤولية “عقد” هذا الاتفاق، الذي قبلوه واحتفلوا به في ما بعد، ويعترفون بأنه “إنجاز إسرائيلي” لم يكونوا يستطيعون رفضه، فإن معظم القادة العرب يعتبرونه قدراً أو نصاً مقدساً لا يأتيه الباطل من خلفه أو من قدامه ولا يجوز مسه بالحذف والإضافة أو التعديل وإلا… تعذر تحويل غزة – فلسطين إلى هونغ كونغ (الإسرائيلية)!
*والإدارة الأميركية أقل حماساً من بعض المسؤولين العرب لإلغاء قرارات الأمم المتحدة التي تدين إسرائيل والصهيونية… وقد دفعت الحماية إياها وزيري خارجية مصر وتونس إلى حد مطالبة مجلس الجامعة العربية الذي انعقد على هامش أعمال الأمم المتحدة في نيويورك، بتبني هذا “المطلب” والمشاركة في تقديمه إلى الجمعية العامة. ولولا الاعتراض السوري القوي المعزز بالاعتراض اللبناني وبالتأييد المغربي، وبالاستنكاف الخليجي لكانت فضيحة أسوأ من اتفاق غزة – أريحا!
*والإدارة الأميركية تتفهم رفض “الأقلية” العربية ممثلة بسوريا ولبنان الضغوط من أجل إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل، في حين كان ممثلو بعض الحكام العرب يريدون إسقاطها فوراً وبلا قيد أو شرط… ولم يكن بوسع واشنطن أن تلزم المحتلة أرضه بعد بأن يقدم تنازلاً إضافياً لعدوه الإسرائيلي، الذي لم يتعهد بعد، ولا بأي صيغة، بالانسحاب والإفراج عن الأرض المحتلة والإرادة الصادرة!
* والإدارة الأميركية تعترف بأن الاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني ومن بعده الاتفاق الإسرائيلي – الأردني خرق لصيغة مدريد التي قدمتها والتزمت بها ورعتها واشنطن، فالتفرد هنا يسقط الصيغة بما هي تعهد بشمولية الحل والانسحاب الكامل مقابل السلام الكامل، خصوصاً وإن اتفاقي “الصلح المنفرد” هذين تما من دون أي ذكر لكلمة انسحاب، وبالتالي فهما يشكلان تواطؤاً مكشوفاً على لبنان وسوريا في مطلبهما الشرعي بتحرير أرضهما من الاحتلال الإسرائيلي.
وكيف يمكن الحديث عن السلام والانسحاب مغيّب؟!
وأين إذا تكون شمولية الحل، وبالتالي صيغة مدريد… الأميركية؟!
ومعظم العرب يهرعون إلى أي معترض يحاولون كم صوته، بغض النظر عن سلامة موقفه… والطريف إنهم غالباً ما يبررون ضغطهم عليه من أجل تقديم المزيد من التنازلات المجانية “بالخوف” عليه وعلى بلاده من عقاب شديد في مستوى “عاصفة الصحراء”؟!
لا يعني هذا الكلام، طبعاً، أن الإدارة الأميركية حريصة على حق العرب في أرضهم، وعلى نصر العدالة ورفع الظلم عن المغبون، أو أنها قد تطوعت في سلك ملائكة الرحمة وباتت قبلة للديمقراطية وكعبة لحقوق الإنسان.
ولكنه يعني أن “إمبراطور الكون” ليس جباراً بحيث يستطيع أن يقول لكل أحد ولكل شيء “كن فيكون”،
ويعني أن هذا “السيد” وبالدليل الحسي، قد عبّر عن احترامه للمعترضين من العرب والسوريين أساساً، وخصهم بمعاملة تتجاوز اللياقة إلى التقدير، بمعزل عن عواطفه الشخصية تجاههم وعن إصراره على حماية الاتفاق الإسرائيلي وعن استمراره في محاولة تطويعهم.
ويعني أخيراً أن متمردين من الحفاة والعراة الشديدي التخلف والشديدي الاعتزاز “القبلي” بأرضهم قد أمكنهم الوقوف في وجه هذا الجبار العاتي، “السيد” المطلق الذي لا راد لإرادته في الكون كله، فأسقطوا طائراته المخيفة وسحلوا جنود وحداته الخاصة وكلهم “رامبو” في الصومال، ثم وجدوا بعد ذلك من “يناصرهم” في واشنطن فيطالب كلينتون بالانسحاب خوفاً من الغرب في أوحال فيتنام أميركية جديدة.
وقديماً كان العرب (والمسلمون) يأتمون بقوله تعالى: “إن لله رجالاً إذا أرادوا أراد…”
أليس في عرب اليوم أمثال هؤلاء الرجال؟!
بحث
Subscribe to Updates
Get the latest creative news from FooBar about art, design and business.
المقالات ذات الصلة
© 2024 جميع الحقوق محفوظة – طلال سلمان