يشهد العالم، بمن فيه »العرب«، حرب إبادة تكاد تكون شاملة ل»فلسطين«: بشراً وبيوتاً وشجراً، مدارس وجامعات و»ورشاً« بسيطة، دكاكين ومرافق عامة، سلطة وشرطة، رجالاً وشيوخاً ونساءً وفتية وأطفالاً، أرضاً زراعية وتلالاً وهضاباً تصلح »مواقع« لحراسة المستعمرات التي تحل تدريجياً محل المدن والبلدات والقرى التي سنقول غداً إنها »كانت هناك« وأن »أهلها كانوا فيها« ثم اندثروا أو تفرقوا أيدي سبأ في أرض الله الواسعة.
ذلك لا يسمّى »إرهاباً« بأي من اللغات الحية في العالم المتحضر: لا بالإنكليزية ولا بالفرنسية، لا باليابانية ولا بالصينية، لا بالسنسكريتية ولا بالأوردو، لا بالإيطالية ولا بالألمانية، لا بالروسية.. ولا حتى بالعربية.
ليس إرهاباً القصف بالطائرات الحربية لأحياء بشرها أكثر من النمل، في مدن بؤس تتراصف بيوتها بحيث يعجز الطيار حسن التدريب عن تمييز »هدفه«، ومع ذلك فهو لا يهتم بالتدقيق ولا قيادته »تحاسبه« على الخطأ: المقتول إرهابي، اليوم، أو مشروع إرهابي للغد، والبيت المهدم مأوى لإرهابيين قطعاً أو كان سيكون مأوى لهم…
جدار الفصل العنصري الذي يشق قلب ما تبقى من فلسطين ليس »إرهاباً«، حتى في عين »النبي الدجال« الذي أوحى إليه الله، سبحانه، فقال بدولتين على أرض فلسطين، كبراهما للإسرائيليين، والأخرى »القزمية« التي من دون بحر أو سماء أو حدود أو سيادة، هي لمن يتبقى حياً من الفلسطينيين!
… والفيتو الأميركي ضد مشروع القرار حول جدار العار هذا ليس إرهاباً في نظر »العالم المتحضر«، عالم الديموقراطية على الطريقة الأميركية وحقوق الإنسان على الطريقة الإسرائيلية.
إن الغارات الإسرائيلية، السياسية بعد العسكرية، تشمل العالم كله، من أقصاه شرقاً إلى أقصاه غرباً، فتصيب مهاتير محمد في ماليزيا لأنه جهر بالحقيقة، ولو مجسمة، فذكر »اليهود« بدل أن يحدد إسرائيل، وتصيب جاك شيراك في فرنسا لأنه تأخّر لبعض الوقت في صب اللعنات على هذا »الإرهابي« الماليزي الذاهب إلى التقاعد، والذي ربما أراد أن يختتم حياته السياسية بكلمة تستبقيه في أذهان الذين تجمّعوا تحت راية »الإسلام« عنده فبسملوا وحوقلوا وشكروا الله على نعمه، وثرثروا طويلاً حتى أخذتهم الغفلة فأنساهم الشيطان، قاتله الله، الانتفاضة المجيدة وأسبابها وعلة تحوّلها من الحجارة إلى السلاح!
صارت »الفاتحة« لأي مؤتمر دولي، سواء أكان سياسياً أم اقتصادياً، زراعياً أم مكرساً للفن التشكيلي، ثقافياً أو متخصصاً في الطب البيطري، هذه الكلمة السحرية: الإرهاب… التي تعني أولاً وأساساً »ضحاياها« العرب على وجه الخصوص والمسلمين على وجه العموم!
ليست دول الاحتلال »إرهابية«، بل تلك التي أخضعها وأذلها الاحتلال العسكري المدمر لحاضرها ومستقبلها..
ليس حكام العسف والطغيان هم أهل »الإرهاب« ومصدره، بل لقد ابتكرت لهم »فتوى« أميركية ترجئ محاسبتهم إلى أن يفرغوا من القضاء على خصومهم ومعارضيهم (وهم هم خصوم الاحتلال الأميركي ومعارضوه) فيسهل عزلهم والتخلص منهم بالجريمة المشهودة: الدكتاتورية ومجافاة حقوق الإنسان والعداء للديموقراطية!
كل الاحترام للقمة الإسلامية: قبل أن يصل أقطابها بالسلامة إلى عواصمهم، كانت إسرائيل ترد لهم التحية بأحسن منها، فهم قد أدانوا بشدة الغارة على سوريا، وها هي تغير في يوم واحد على غزة خمس مرات… ثم أنها لم توقف النسف والهدم والتدمير في رفح، ساعة واحدة، تهيّباً من غضبة أهل الإسلام الذين أسقطوا التعصب بقبول ضيفين خالصي الإيمان، الرئيس الروسي بوتين، ورئيسة الفيليبين.
الحبر لا يُسقط الطائرات المغيرة لقتل الأفكار والقيم والشعوب والأوطان، والتصريحات لا توقف البناء في جدار الفصل العنصري، الذي تعهّد شارون، بالأمس، بأن يسرّع عملية اغتيال الأرض والإرادة والمستقبل الفلسطيني به متى اكتمل، وهو سيكتمل قريباً بالدم!
الضحية إرهابي والسفاح ديموقراطي حتى حين يضطر إلى قتل الإنسان ليوفر له حقوقه.
على أن العرب مطمئنون: فلو قتل شارون منهم كل يوم عشرة فإنه سيحتاج إلى مليون يوم، أي إلى ثلاثمئة سنة تقريباً… ولا يمكن أن يعيش هذا السفاح كل هذا الزمن، وهكذا يتبيّن بالحساب أن المستقبل »لنا«!!
بحث
Subscribe to Updates
Get the latest creative news from FooBar about art, design and business.
المقالات ذات الصلة
© 2024 جميع الحقوق محفوظة – طلال سلمان