نشرت في جريدة “السفير” بتاريخ 15 شباط 2002
أخطر ما نجحت فيه إسرائيل أنها فرضت علينا منطقها وتعبيراتها في مناقشة قضية فلسطين، فاضطررنا إلى سحب مفرداتنا ”الأخلاقية” وأوهامنا العسكرية وتحليلاتنا السياسية التي لم يكن لها من قوة الفعل ما يسندها فصارت ”كاريكاتورية” تنفع في ”التنكيت” أكثر ممّا تنفع في تحليل الواقع وفهم ما يخطط للمستقبل.
وأخطر ما نجحت فيه الولايات المتحدة الأميركية أنها فرضت علينا منطق مصالحها في مناقشة مسائل التنمية والتقدم في بلادنا، ومفاهيمها في مناقشة مستقبل الإنسان فوق هذا الكوكب المنطفئ. وها هي الآن تفرض على العالم ”لغتها” التي أولها ”إرهاب” وآخرها ”إرهاب” بذريعة مكافحة الإرهاب.
صرنا نخجل من أساس القضية.
صارت كلمة ”فلسطين” نابية، كالفضيحة. يفضل استخدام ”السلطة”. ومعها سحبت من قاموس التداول كل ما يتصل بتاريخ فلسطين، أرضاً وشعباً ونضالاً متصلاً منذ ما يقارب القرن.
الواقعية تفرض شطب الكلمات الكبيرة (طالما أن النفوس صغيرة). صارت ”القضية” أزمة، ولنفي الهوية غاب أي ذكر للعرب أو لفلسطين أو للطرف الثاني، إسرائيل، وصار التعبير: أزمة الشرق الأوسط. بقعة جغرافية يحددها موقعها بالنسبة للآخرين، لا هوية لها ولا أصحاب. نفي الأصل ضرورة لتصح نسبتها إلى الدخيل.
الاستعمار استيطان دولة، الدولة التي قامت بالاحتلال هي واحة الديموقراطية في الشرق، وهي مركزه الحضاري المتقدم وسط بؤرة التخلف والقهر والطغيان. صارت المقاومة عنفاً والعنف إرهابا والإرهاب جريمة ضد الإنسانية تستحق التدخل الدولي لقمعها. وصار ”الرئيس” الفلسطيني ”المنتخب” رهين المحبسين: الأميركي والإسرائيلي، بينما هو في واقع الأمر ”الشريك” الذي لا بديل منه لهما.
سحبت كلمات مثل ”التحرير” و”الكفاح المسلح” من التداول، نثراً وشعراً،
اندثر ”اليسار” في بلادنا، مع أن بعض من تبقى منه ما زال في مواقع الحكم نظرياً… لكن، عندما يتصل الأمر بإسرائيل نجتهد لاكتشاف الفروقات ”النظرية” بين القوى الإسرائيلية حتى نخص بعضها بالتصنيف اليساري، مع وعي بأن أدعياء الانتساب إلى اليسار فيها هم الأكثر شراسة في الحروب الاستيطانية العنصرية الاستئصالية.
كيف يمكن أن يكون العنصري، المقدم نفسه إلى الناس بدينه كهوية، يسارياً؟!
ولماذا يتهم القائل بانتمائه ”القومي” إلى ”أمة” عربية اللسان (أقله) والهوية بأنه ”شوفيني” و”عنصري”.. بل وبأنه ”معاد للسامية”؟!
ها نحن الآن نتبرأ من كل الكلمات التي صنعت سنوات عصر النهضة أو الزمن الجميل: القومية، العروبة، اليسار، التقدمية، الاشتراكية، التأميم، العمال والفلاحون، التحرر، الاستقلال، الكفاح، الجهاد، النضال… ومعها الكلمات النقيض مثل: الاحتلال، الاستعمار، الامبريالية، الرأسمالية المستغلة الخ..
لم يتبق لنا إلا هوية واحدة: الإرهاب!
ومن أجل التنصل منها علينا أن ننزع من الصدور الإيمان، وعن الوجوه البشرة السمراء، ومن العقول التفكير، مجرد التفكير بتغيير الواقع.
لكي نعيش علينا أن نميت أنفسنا وإلا شنّ علينا التحالف الدولي بقيادة إسرائيل حرب استئصال لاجتثاث الإرهاب من جذوره.
إذا تنكّرنا لأنفسنا فأين الجذور؟!