الهزيمة ليست قدرا، لا بد من اقتحام التاريخ ودخوله والانتظام في دورته من جديد. وهذا لن يكون غدا أو بعد غد، وقد يتطلب عمرا ثانيا أو أجيالا عديدة لكن لا طريق غيره، ولقد آن لنا أن نستوعب بعض دروسه: فالهزيمة العسكرية فيه كانت العنوان، لكنها بذاتها كانت النتيجة لا السبب. وبقدر ما كنا نفرض أن عسكرنا هو الأقوى والأعظم في الشرق الأوسط، بقدر ما كانت الفجيعة في البنية- الاقتصادية- الاجتماعية- الثقافية وبالتالي السياسية التي كان يستند إليها ذاك الجيش- معقد الرجاء.
إن استشراف فجر السادس من حزيران لن يكون ممكنا إلا إذا استولدناه بدمائنا. لقد أُخرجنا من الأرض وكذلك من التاريخ، والعودة مستحيلة بالمفاوضات بين جبار وعاجز.
هناك مجموعة من الظواهر التي استولدتها هزيمة 5 حزيران فـ”فرضت نفسها إطارا لحياتنا وحركتنا السياسية في عصرها الميمون”، إن الحركة القومية كانت قد اختزلت في شخص، ومما زاد في الالتباس أن هذا الشخص كان الحاكم وكان المسؤول الأول عن الهزيمة، وبين محاولة تبرئة الشخص- البطل وإدانة النظام، أو بين تعميم الإدانة، المؤسسات السياسية الشعبية التي حاولت أن تكون شريكا في السلطة، فانتهت غطاء أو ذريعة لفشل السلطة وخسرت الدنيا والآخرة. وبالمقابل ظل النفط العربي، ولو بمصدره، خارج السياسة العربية، بل إنه قد استخدم لتطويع السياسة العربية وارتهانها للمصالح الغربية لا سيما بعد حرب 1973 وحتى اليوم… والغد.
وبين ملامح 5 حزيران أيضا أننا في تيهنا قد تغربنا عن بعض حقائق حياتنا، فاستولدنا لأنفسنا مشكلة جديدة: أهملنا الدين كعنصر مكون للوجدان فألغيناه تماما، في لحظة، ثم اكتشفنا خطر إهماله فاندفعنا ننافقه حتى غرقنا في مستنقع الطائفيات والمذهبيات والفتن. ولقد تأخر كثيرا ذلك الحوار الضروري بين العروبة والإسلام، وساد بدلا منه جو عدائي أضر بروح الأمة وفكرها ومشروعها السياسي. وأحد أبرز الشروط للخروج من عصر 5 حزيران أن يتكامل مثل هذا الحوار فلا يظل الإسلام ينظر إلى العروبة كأنها الكفر ولا يتعاطى العروبيون مع الإسلام وكأنه رمز التخلف والسلفية ومجافاة العصر.
إن سقوط ثورة 23 يوليو في مصر بانقلاب السادات، ثم آثار اتفاقية كامب ديفيد التي تسببت في فقد العرب حاضنة نضالهم القومي، إلى غزو العراق للكويت في حرب ضارية ضاعت فيها الأمة عن عدوها الأصلي وأضاعت عبرها نصف مواردها وطاقاتها فيي العراق والجزيرة والخليج وصولا إلى اليمن السعيد إلى الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان، كل ذلك جاء في هذا السياق، نموذجيا في كونه نتيجة مباشرة لهزيمة 5 حزيران، ثم أنه نموذجي كتمهيد باللحم الحي للصلح المنفرد الأول ثم الثاني.
اليوم ساقط، فماذا عن الغد؟ هل يبنى الغد برصد وتعداد أخطاء الأمس والتشهير بحكام الماضي والحاضر والتبرؤ من مجمل التجربة بكل ما حفلت به من انتصارات وخيبات؟! لي حلا أن نهرب إلى الأمام، وأن نتنصل مما كان. فالهزيمة ليست قدرا، ولم يكن كل ما عشناه مجرد مسلسل من الهزائم المتوالية، ومن الظلم أن تطمس الصفحات المجيدة والأيام المشرقة التي عاشتها الأمة في مختلف أقطارها قبل 5 حزيران وبعده.
المهم أن ننجح في فرز الخطأ عن الصح، وأن نستنقذ من أمسنا ما هو ضروري لبناء الغد. فلن نستورد من يبني لنا الغد، بل إننا وأبناءنا من سيبنيه.
إن الديموقراطية هي المدخل إلى الحل، وهي المخرج من الهزيمة وعصرها، الديموقراطية بما هي اعتراف بالإنسان وحقوقه وبما هي بناء المؤسسات وبما هي الإطار الصحيح للنقد، الديموقراطية بما هي حق المعرفة، وحق الاختلاف مع الحاكم، وأول المعرفة معرفة الذات ومعرفة العدو.
مقال بتاريخ 6 حزيران 1994 نشر في كتاب الهزيمة ليست قدرا