أتابعها باهتمام وفضول بالغين منذ يوم اختارها سيلفيو برلسكوني وزيرة للشباب في حكومته الرابعة وعمرها لم يتجاوز وقتها الثلاثين إلا بسنة واحدة. سبقتها إلى جدول اهتمامي خلفيتها الفاشية وإن راحت تتبرأ من بعض مبادئها وشكلياتها. أذكر أنني كثيرا ما توقفت أمام الشباك الأشهر في تاريخ إيطاليا السياسي، الشباك الذي كان يطل منه بنيتو موسوليني على الجماهير الحاشدة، وهي الطلّة التي استعارها موسوليني من بابوات الفاتيكان والشباك العتيد المطل على ساحة القديس بطرس. أقف أمام شباك موسوليني المطل بدوره على ساحة أسبانيا، أقف وأستذكر ما فعلت الفاشية بإيطاليا وأوروبا وأفريقيا وبخاصة الحبشة وليبيا قبل وخلال الحرب العالمية الثانية، وقتها لم تكن جورجيا ميلوني قد ولدت.
هي الآن في التاسعة وأربعين رئيسة للوزراء، تصف نفسها بأنها إمرأة أولا ثم إيطالية ثم مسيحية كاثوليكية، وحكومتها الراهنة صاحبة أطول مدة قضتها حكومة في إيطاليا على مدى تاريخ إيطاليا الحديث، وهي أيضا حسب تقديرات مجلة التايم واحدة من أهم شخصيات العالم بل هي حسب موقع بوليتيكو الشخصية الأهم في أوروبا لعام 2025. أعترف أنني كثيرا ما وقفت مذهولا أمام صور تجمعها بقادة أوروبا والدول الصناعية وأتساءل إن كان حقا ما يقال إن هؤلاء الزعماء وبعضهم في طول العمالقة يأخذونها بالجدية اللازمة وهي الأقصر وهي أيضا صاحبة الوجه الطفولي والابتسامة الشقية.
***
لا أعرف بالتأكيد إن كنت أتمنى لو اختار القدر أن أعيش في إيطاليا في زمن جورجيا ميلوني سنوات بعدد السنوات التي عشتها فيها في أوائل الستينيات من القرن الماضي، أي قبل ستين عاما أو أكثر. وقتها كانت الحكومات الإيطالية “تتقارن” بعدد الشهور التي تقضيها في الحكم، أذكر منها حكومات يرأسها “فانفاني” وكان رجلا خفيف الظل قصير القامة، في قصر قامة جورجيا وربما أكثر، حتى إنهم كانوا يضعون صندوقا خشبيا ليقف عليه ليصير أقرب إلى مكبر الصوت. وقد حكى لي أكثر من صحافي أن إدارة الحزب الديموقراطي المسيحي كانت تمنع المصورين من تصوير فانفاني من الخلف وهو يخطب من فوق الصندوق. في ظني أن جورجيا لم تكن لتهتم، بل على العكس استطاعت أن تستثمر قصر طولها في كسب تعاطف وربما تدليل القادة الغربيين وبخاصة كبيرهم، دونالد ترامب.
كنا في مكاتبنا بالسفارة في بكين عندما وصلت برقية من وزارة الخارجية تحمل قرار نقلي إلى سفارتنا في روما. تصادف أن كنا مجتمعين عندما راح مستشار السفارة يقرأ البرقية علينا. لم يكن القرار مفاجئا لي ولكنه كان مفاجئا للباقين. أذكر الزميل نزار قباني وهو يهنئني تهنئة مكسوة ببعض الحسد الناعم. قال ما معناه أو ما خلاصته “أعتقوك يا رفيقي، أعتقوك من رحلتنا كل يوم أحد إلى حديقة القصر الإمبراطوري، رحلة البحث دون جدوى عن علامة حب فلا نجد. أعتقوك من سؤالي المتكرر لك عن سر إعجابك ببلد سكانه لم يتعرفوا بعد على الحب. أنت الآن ذاهب إلى مدينة تتوسطها نافورة تريفي، وفي قلب النافورة تقف الممثلة السويدية أنيتا إيكبرج تبتسم في حب وإغراء لعشرات الكاميرات تصورها وهي رافعة فستانها خشية البلل”.
لوقت طويل نسبيا قضيته في إيطاليا لم يغب عن بالي نزار. إذ وصلت في مرحلة كانت إيطاليا، وبالذات العاصمة روما، غاطسة في المرح والفرح والغناء والرقص والرخاء الاقتصادي. لم يبالغ من وصف الحياة في إيطاليا في ذلك الحين بالحياة الحلوة (لا دولشي فيتا). أتصور أن الحياة كانت لتصبح أحلى لو كانت جورجيا ميلوني هي رئيسة الوزراء وليس أمينتوري فانفاني. إلا أنني أذكر بكل الرضا تلك الأيام التي شهدت اجتماع بعض خيرة شباب الدبلوماسيين المصريين في غرفتين بالطابق الأرضي من “فيلّا آدا”، اسم القصر الملكي الفاخر الذي سكنت فيه سفارة مصر بروما منذ سقوط الملكية. أذكر أن هذه الفخامة كانت في حد ذاتها وفي أحيان كثيرة مجال سخريتنا. كنا نتبارى في لعبة اكتشاف الدبلوماسي بيننا الذي يمكنه هو وعائلته الاستمرار حتى نهاية الشهر متفرجا أو مراقبا مجتمع “الحياة الحلوة” بالمرتب الضئيل الذي كنا نحصل عليه.
أذكر أن نجيب هاشم، سفيرنا، وكان رجلا كريما وعالما وفاضلا، بعد أن سمع كثيرا عن مبارياتنا المتعلقة بهزال رواتبنا راح يدعونا بين الوقت والآخر لنخرج معا لتناول عشاء أو غداء في مطعم يعلم عن عشقنا له لأننا لم ندخله ولن تسمح مرتباتنا بدخوله. عشنا “الحياة الحلوة” ولم نمارسها، عشناها متفرجين مستمتعين بالصخب المحيط بنا وبزحمة مشاعر الحب الفياض في كل زقاق وشارع وميدان، وفي كل بيت دخلناه، وفي كل حديث جري بيننا وبين وزراء ومسئولين من مختلف المستويات.
***
لم نتعرف على “البيتزا” الأطيب والأرخص إلا في أحد أزقة روما قبل أن ننظم رحلات إلى موطنها الأصلي في نابولي. أما الزقاق فكان يتفرع من الميدان الصغير حيث توجد نافورة تريفي ومئات السياح. تعرفت على صاحب الفرن، خباز هذه البيتزا المتميزة، بجهد خاص من الصديق زميل دفعتي في الخارجية، الإنسان الرقيق طيب الحاشية وغزير العلم، نبيل العربي. استقبلني أدفأ استقبال عند وصولي من بكين وكان له فضل تعرفي على روما الحجر وروما الإنسان، وكلاهما مشبعان بعبق التاريخ.
أما البيتزا في موطنها الأصلي فقد اكتشفناها بدعوة من زميل آخر لا يقل كرما أو فضلا وهو أحمد والي وكان نائبا للقنصل في نابولي. له الفضل في اصطحابنا أكثر من مرة مدعوين للإقامة يوما بليلة في جزيرة كابري، حلم كل سائح والرمز الحي لأسطورة “الحياة الحلوة”.
***
اليوم شاهدت على شاشة التلفاز جورجيا ميلوني تقود مؤتمرا “إفريقي- أوروبي” في أديس أبابا. المناظر التي نقلها التلفاز الساكت كانت كافية لتنشيط ذاكرة لم تكل الاستجابة لاستدعاءات تكثر مع كل زيادة في عدد سنين العمر. رأيت جورجيا قصيرة كما عهدتها وربما أقصر تصول وتجول في قاعة المؤتمرات للاتحاد الإفريقي، مرتدية ما يشبه “بدلة” رجال سوداء اللون، لفت انتباهي إليها كونها واسعة إلى درجة مبالغ فيها.
جورجيا لم تكن المرأة الأقصر في المؤتمر فرئيسة المفوضية الأوروبية أيضا قصيرة وأنحف. تجولت بنظري في عديد الصور التي نقلتها الشاشة ليتأكد انطباعي عن سيدات إفريقيا المشاركات في المؤتمر؛ كنا ماثلات في أجساد قوية متينة تعكس حياتهن الخشنة، ولم تكن بينهن واحدة بجسد نحيف كأجساد الدبلوماسيات الأوروبيات، ولا بأجساد الممثلات الإسكندنافيات، وبخاصة جسد أنيتا إيكبرج رمز مرحلة “الحياة الحلوة”، مرحلة مهمتي الدبلوماسية في روما.
تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

