بدأت الصحافة في بلادنا صحافة رأي، قبل أن تتحول الصحف الى مؤسسات سياسية – اقتصادية- ثقافية، تحتل الأخبار والتحقيقات والتحليلات والريبورتاجات المصورة معظم المساحة فيها تاركة للرأي هامشاً محدداً ومحدوداً، انطلاقاً من أن دورها ان تخبر ، وان تعلم، وأن تعرض الوقائع والمواقف المعبرة عن السياسات في الدول المختلفة، محتفظة لنفسها بحق التعليق على الأحداث والتعبير عن موقفها من دون الخلط بين الرأي والوقائع.
ولأنها بدأت كصحافة رأي فقد اصطدمت بداية بقوى الاحتلال، عثمانياً فتركياً في مستهل القرن الماضي، ثم فرنسياً مع نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى الاستقلال، فكانت ضريبة الدم ثقيلة دفعتها قافلة من شهداء الموقف والرأي في بيروت ودمشق، على مذبح الأحكام العرفية التي نفذها جمال باشا المشهور بالسفاح 1915- 1916.
وفي المحطات الفاصلة في سياق النضال الشعبي من أجل الحكم الوطني العادل كانت الصحافة تتقدم الصفوف بأقلام أصحاب الرأي فيها، فتدفع ضريبة الدم كما حصل مع كثير من الأقلام التي عارضت انحراف الحكم او طغيانه، لعل أشهرهم وأبقاهم في ذاكرة الوطن الشهيد نسيب المتني.
كذلك فإن الصحافة قد دفعت الثمن عالياً في حالات التصادم بين الأنظمة العربية المتعارضة والتي كان بعضها يعبر عن تيارات تغييرية معادية للأنظمة التقليدية، ملكية او جمهورية متهمة في وطنيتها وللأحلاف الأجنبية الملغية للاستقلال والهوية القومية، وبعضها الآخر كان يعبر عن وجهة نظر ” المحافظين” الذين يقولون بالتطور التدريجي وباعتماد الديمقراطية وسيلة للتغيير.
لا يحمل الصحافي من ” الأسلحة” إلا قلمه ورأيه…
مع ذلك يمكن أن يرى حكم الطغيان او مغتصب السلطة بقوة القهر او بقوة الفتنة، في القلم والرأي بعض أسلحة الدمار الشامل،
ولأن الصحافي، بقلمه ورأيه، يحتل في مجتمعه موقعاً طليعياً ” مكشوفاً ” خصوصاً وأنه بحكم تطهره من لوثة الطائفية لا يجد حماية كافية تحصنه في وجه تجار الطائفيات والمستفيدين من استثمار الهياج لأغراض شخصية، فانه يتحول الى ” هدف” سهل المنال: فلا هو سلطة تحمي ذاتها بأجهزتها الأمنية العديدة، ولا هو ” متسلط” تحميه ميليشيات المال والسلاح.
ثم أن الصحافي بوصفه داعية وناقل أفكار ومبشراً بالتغيير، يجد نفسه مضطراً لأن يتقدم الصفوف، ولأن يرفع صوته برفض الغلط والتحريض على مواجهة الظلم والاختلاف مع الحاكم لرده عن انحراف قد يقع فيه، او لمنعه من التصادم مع الإرادة الشعبية.
وبين مفاخر الصحافة في لبنان انها دفعت ضريبة الدم في نخبة من رجالاتها المختلفي المشارب والاتجاهات السياسية، بينهم النقيب الراحل رياض طه، والعديد من أصحاب الرأي الذين عبروا عن مواقفهم علناً وتحملوا المسؤولية بأرواحهم.
لقد أعطانا شهداؤنا عيداً للصحافة، للرأي، للاجتهاد، لحق الاختلاف مع الحاكم، لا سيما متى أخطأ،
أعطانا شهداء الصحافة عيداً للطموح الى الديمقراطية في البلاد التي حكمت عليها ظروف التخلف والقهر الاستعماري والمحاولات الخبيثة لتجار الطائفية والمذهبية لإثارة الفتنة، أن تظل بعيدة عنها وان لم تفقد الأمل في تحقيق الحلم ذات يوم.
ولقد أكرمني قدري بأن توغلت داخل الشهادة ثم شاءت لي رحمة الله أن أعيش وأن استمر في مواصلة عملي في هذه المهنة التي أتشرف بالانتساب اليها، وأحاول مخلصاً أن أضيف- مع زملائي- الى رصيدها في خدمة الناس ما يستحق العناء الذي نتحمله لكي نستمر في حمل الرسالة.
تحية الى الصحافة في عيدها الحق، فالشهداء هم الذين أعطوها مجدها وليس الذهب الذي حاول ان يأخذها من ناسها فلم يقدر ولن يقدر، بإرادة الشرفاء من أهل الرأي والقلم والذين اتهموا بأنهم يبحثون عن المتاعب في حين أنهم يبحثون- مع شعبهم – عن الغد الأفضل.

