تكاد السلطة التي لا سلطة لها في بعض الأرض الفلسطينية تدمّر القضية المقدسة للعرب جميعاً، فلسطين، التي لم يدفع أي شعب على مرّ التاريخ من دماء أبنائه ما دفعه أبناؤها عبر نضالهم الأسطوري في مداه الزمني المتواصل منذ ثمانية عقود أو يزيد.
لقد ألهت السلطة التي لا سلطة لها تحت السيطرة المطلقة للاحتلال الإسرائيلي، أهلها عن شعبهم وعن قضيته العادلة التي حظيت ذات يوم بمكانة جعلتها في مستوى القداسة، واستقطبت أحرار العالم جميعاً، فضلاً عن التأييد الشعبي العربي العارم الذي جعلها المعيار في حكمه على الأنظمة القائمة في مشارق بلاده كما في مغاربها.
… وتكاد السلطة التي لا سلطة لها في العراق تحت الاحتلال الأميركي، الملتهب قلبه بنار الفتنة، المشلعة أطرافه بصراع عبثي على النفوذ والمغانم، أن تذهب بالوطن ودولته ووحدة شعبه..
صارت السلطة المفرغة من أي مضمون إلا التبعية للاحتلال، وإلا المشاركة في المسؤولية عن المجازر الجماعية، وإلا تحمّل وزر تهجير الملايين من العراقيين إلى أي مكان يقبلهم، هرباً من الموت العبثي في وطنهم الذي يكاد يسقط سهواً عن الخريطة.
… وها هو لبنان يكاد يضيع في غياهب صراع بلا قضية حول سلطة لا قدرة لها على الفعل (ناهيك بالإنجاز)، في حين يتعاظم فيه ومن حوله صراع الدول التي لن تبكي يومه ولا غده، والتي تستخدمه كقاعدة انطلاق لحماية مصالحها في المنطقة، فإذا ما أزف موعد الصفقة لم تهتم بمصير حلفائها الذين تحرّضهم على مدار الساعة ليخرجوا من جلودهم، وتغريهم بأنها ستعيرهم من قوتها ما يؤمّن لهم الغلبة في المواجهة المفتوحة مع خصومهم الذين كانوا بالأمس حلفاء والذين كانوا وسيبقون شركاءهم في الوطن اليوم وغداً.
وفي ظل صراع عبثي على السلطة يضيع المعنى، وتتهاوى القيم، فيغرق الجميع في التفاصيل والمزيد من التفاصيل، بينما يخرج القرار من أيدي أهل البلاد التي سرعان ما تُخضع لوصاية دولية غير محدودة، تشمل كل تفاصيل الحياة، الدستور والقضاء، الشرعية والمؤسسات الديموقراطية، الأمن من الحدود إلى الحدود (مع ترك مساحة حركة للعدو الإسرائيلي)، الاقتصاد والحالة الاجتماعية (مع تشجيع معلن لهجرة الكفاءات والكادرات المؤهلة).
إن العراق يغرق في دمه، ولن يخفف من مأساته أن يكون الاحتلال الأميركي في مأزق قد يذهب بسلطة حزب ليأتي مكانه حزب آخر في واشنطن.
وفلسطين النضال والشهداء والقضية والشعب المشرّد والمهان في كرامته وفي عراقته وفي عطائه غير المحدود تكاد تندثر، وسط صراع لا مثيل له في انحطاطه وفي عمى أطرافه، على سلطة لا تعدل قلامة ظفر لواحد من هؤلاء الأطفال الذين يقتتل آباؤهم فيقتلون بعضهم بعضاً ويقتلون معهم المستقبل.
ولن يعزي هذا الشعب الذي كان قدوة أن تكون إسرائيل في مأزق حكم لأنها عجزت مرة عن إذلال العرب مجتمعين.
أما في لبنان فتفادي الكارثة ممكن، فضلاً عن أنه واجب وطني: إنه لا يتطلب أكثر من العودة إلى الأصول، بمعنى أن الوطن أهم من الدولة، والدولة أهم من الحكومة، وأن الإنسان المواطن وحقه في غد آمن هو القضية، أولاً وأخيراً… وهو هو المغيّب الآن، بل والمهدّد بالاغتيال في حاضره وفي غده.
بحث
Subscribe to Updates
Get the latest creative news from FooBar about art, design and business.
المقالات ذات الصلة
© 2024 جميع الحقوق محفوظة – طلال سلمان