واضح لي إلى حد كبير أن الأزمة العالمية الراهنة تواصل تطورها أو تدهورها لتنتهي قريبا جدا في وضع دولي جديد يتحقق فيه نوع من الاستقرار، بعد أن غاب الاستقرار لزهاء ثلاثين عامًا أو أكثر. ما نعرفه، أو نقدره، عن الأزمة الراهنة أنها تبدو وقد أنهكتها الأحداث والحروب. تبدو كما لو أنها صارت أقرب إلى نهايتها منذ أن وصلت مختلف أبعادها إلى درجة من النضج كافية للانتقال بالنظام الدولي من حال الفوضى العارمة إلى حال الاستقرار أو إلى ما هو أشبه به. نعلم أن البعد الأمريكي الذي نفرد له أكثر هذه السطور ليس إلا واحدا من أبعاد ليست قليلة، تسهم منفردة ومجتمعة في تعميق حال الاضطراب السائدة.
***
أما الأبعاد التي أقصدها وأعتبرها فاعلة في صنع هذا الاضطراب فهي بدون ترتيب خاص أو متعمد من ناحيتي:
أولا: أمريكا، القطب المرتبك في ممارسة الهيمنة في أشد مراحلها صعوبة وتعقيدا، وسوف أعود إليه ببعض التفصيل بعد قليل.
ثانيا: الصين وروسيا القطبان الساعيان لتحقيق انتقال هادئ للقمة الدولية من وضع هيمنة القطب الواحد إلى وضع تعدد الأقطاب أو إلى وضع أشبه ما يكون بحال توازن القوى، وما زلت أؤكد، اليوم قبل الغد، على حرصهما المشترك على أن يتم الانتقال بدون حرب عالمية فيكون سابقة فريدة في نظريات التحول في نمط القيادة الدولية على امتداد قرنين على الأقل.
ثالثا: الشرق الأوسط، الإقليم الذي يحل بجدارة وبالتدريج محل الإقليم الأوروبي وشهرته في التاريخ، كما نعلم، أنه الإقليم صاحب الحروب الدائمة والمصدر الأساسي لمختلف نظريات علم السياسة والقانون الدولي والصراع. سوف يذكر التاريخ أن الشرق الأوسط اشتهر في أواخر مرحلة (هي التي نعيشها الآن) بأنه صار أشبه بمقبرة خصصت لدفن القانون الدولي وقوانين أخرى كثيرة صنعتها حضارة الغرب خلال صعودها وقبل بدء أفولها.
رابعا: بزوغ كتلة، أو مجموعة، الجنوب من دول صاعدة اقتصاديا وسياسيا تسعى لتنسيق الضغوط لصالح السلم العالمي ولفائدة برامج تنميتها وتأمين صعودها.
خامسا: اجتماع عديد المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وبشكل حاد على كافة المستويات، مستوى دول القمة كما على مستويات دول الجنوب.
سادسا: أوروبا مهد حضارة الغرب وحامل مشاعل نهوضها صارت حملا لا تحتمل حمله الولايات المتحدة. انحسر إبداع أوروبا وتراخت عضلاتها وتفسخت علاقات دولها البعض بالبعض الآخر، ولا جدال في أن ما فقدته بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم تعوضه.
***
يهمني في اللحظة الراهنة وبشكل خاص مناقشة الدور الذي يؤديه البعد الأول، وأقصد أمريكا في وجود الرئيس دونالد ترامب لاعبا أساسيا. إلا أنه يجب التأكيد سلفا على حقيقة أن حال انحدار أمريكا من موقع القوة المهيمنة والأقوى سياسيا واقتصاديا وعسكريا إلى موقع أدنى لم تتحدد معالمه بعد بالدقة اللازمة، هذه الحال بدأت تفرض نفسها منفصلة عن مرحلة وصول ترامب إلى سدة الحكم وتسبقها، ولكنها بالتأكيد عززت انحدار الغرب كجماعة حضارية. لذلك أحاول النأي بالرئيس ترامب عن مسئولية بدء الانحدار، وفي الوقت نفسه أرفض إعفاءه من تحمل المسئولية عن استمرار تدهور الانحدار الأمريكي وتعميقه، واضعا في الاعتبار أن الانحدار الأمريكي بدأ بشكل نسبي وليس بشكل مطلق، بمعنى أن صعود الصين الأسطوري كان ولا يزال أحد أهم العوامل المحددة لانكشاف الانحدار الأمريكي ومعدل التدهور المستمر لهذا الانحدار.
هنا أود أن أعود فأصر على فكرة، أو لعلها قاعدة من قواعد الصراع. عشت أحذر من رد فعل طفل أو رجل، وبالأحرى امرأة أو دولة شعرت بمهانة ضعفها المفاجئ أو المتراكم في مجتمع لا يعرف إلا القوة هدفا نهائيا وأداة لفرض النفوذ وتوسيعه.
المؤكد حسب السير السائدة أن الولايات المتحدة تعيش هذه الحالة. يجب أن نعترف بهزائم أمريكا المتتالية منذ سعي كيسنجر لاتفاق سلام مهين مع فيتنام ومرورا بمؤامرة نسف برجي التجارة الحرة في نيويورك وبحرب فاشلة في العراق في عهد بوش الإبن وخروج مهين من أفغانستان في عهد بايدن.
أذكر أنني وزملاء توقفنا طويلا أمام ظواهر أمريكية عبرت بقوة عن حال انحدار إن لم تكن مهانة. توقفنا أمام انتشار وشعبية “الحركة من أجل عودة أمريكا عظيمة مرة أخرى”، وهي الحركة التي أتت بدونالد ترامب مجددا إلى البيت الأبيض. توقفنا مرات بعدها أمام أعمال شغب خطيرة تمارسها إدارة الرئيس ترامب على الصعيد الدولي، وأكثرها حدث على يد وإيعاز من رئيس الدولة بنفسه. أذكر تحديدا التهديد باحتلال قناة بنما وها هو الآن يهدد، أو يحتل بالفعل مضيق هرمز، أذكر أيضا احتلاله فنزويلا وتهديده ضم جرينلاند، والأدهي عرضه انضمام كندا إلى الولايات المتحدة. أضف إلى كل ما سبق استخدامه أسوأ ما في اللغة من ألفاظ تمس بالإهانة أو بنية الغدر رموزا دولية مثل حلفائه الأوروبيين ثم قداسة بابا الفاتيكان ثم شعائر أديان أخرى. ابتعدنا، مهما ابتعدنا، عن فضيحة إبستين سوف تبقى أحد أهم عناصر استمرار انحدار، وربما سقوط، النخبة الحاكمة في أمريكا. كل يوم يمضي يترك لنا صفحات سوداء من التاريخ المعاصر تشهد بانهيار حضارة الغرب بفعل أبنائها وليس بفعل آخرين من حضارات أخرى.
بعض مما يحدث الآن يجد تبريره في الحرب ضد إيران. إلا أن أخطر ما يتهدد حاليا هو السلم العالمي فالرئيس بذاته راح يهدد بحرب عالمية ثالثة. لن نستبق الأحداث فنكرر ما يتردد عن أن الحرب العالمية ناشبة فعلا إذا نحن وضعنا في اعتبارنا احتمالات نجاح الإدارة الأمريكية الراهنة في إحكام سيطرتها على مختلف منابع النفط والغاز وأساطيل نقلهما وممرات ومضايق يمران بها. تدرك هذه الإدارة، ونحن أيضا، حاجة الصين الماسة إليهما، هما بالنسبة لاقتصادها وحياتها مسألة حياة أو موت.
خرجت الصين، أو قد تخرج خلال أيام، ومعها روسيا بمشروع لإنقاذ العالم من ويلات حرب عظمى. أعتد أن الصين بالذات تخرج إلى العالم مزودة بحكمة أنضجتها تجاربها الخاصة مع الاستعمار الغربي، وهي تجارب أشهد شخصيا بأنها كانت أليمة، وتجاربها الأحدث كدولة عظمى على طريق “القطبية”. هذه التجارب مع تجارب روسيا كقطب سابق ودولة عظمى كفيلة بأن ترشد زعماء هذه الدول إلى خطة لبناء نظام دولي جديد ينشد التعاون بين الأقطاب وبينهم وبين دول الجنوب.
***
لن تفلح خطة من هذا النوع إلا إن تحقق لها شرط تحرير الرئيس الأمريكي من الابتزاز الذي أخضعه لقوى ضغط بعينها. كذلك سوف يتعين على كل من روسيا والصين المساعدة في إخراج النخبة الحاكمة في أمريكا من عقدة الضعف ومن حال الابتزاز التي تعيش بدورها فيها. للأسف لا تبدو الخريطة الراهنة للنخبة الأمريكية والقوى الضاغطة عليها مشجعة ليخرج عنها منظومة ٌقواعد عمل تليق بنظام دولي جديد.
حقا، أخشى أننا قد لا نشهد نهاية سريعة للمرحلة الصعبة التي نعيشها وإن كنا نحلم باقتراب نهايتها.
تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

