يا الله يا كريم، ما أكثر العرب الذين أنعمت علي بهم في حياتي! كثيرون بالعدد والفعل والأثر. أعرف أن مقالا بالحجم المقرر لي في هذه الصفحة لن يعرض لهؤلاء العرب الذين دخلوا حياتي أو مروا بها بما يناسب عددهم ويناسب الحكايات التي خاضوها أو نسجوها معي. أعرف أن مقالا بنظرة طائر لن يفي بالغرض من النشر أيا كان الغرض. ومع ذلك أجد لزاما أن أعترف بحاجتي إلى التخلص من الضغط المتواصل الذي يمارسه معي موضوع هذا المقال بسبب خشية وقوع بعضه في براثن النسيان، وهو الخطر الذي يواجه كل من كان في مثل عمري، أو بسبب خشية وقوع بعض آخر منه في قبضة ظروف متخيلة أو واقعة تحول دون نشره، وهو الخطر الذي يهدد نشر كل موضوع له علاقة بالسياسة أو التاريخ.
كنت تحت الثامنة عشرة من العمر أو فيها على ما أذكر عندما رأيت عربا لأول مرة وناقشت معهم قضايا تهمهم وتهمني كطالب علوم سياسية. قابلت الفلسطينيين في ملاجئهم ومخيماتهم في غزة ودارت معهم مناقشات في نواديهم حول مستقبل قضيتهم، أذكر أيضا مسئوليتي عما أصاب شابا منهم تطوع لتسهيل وإرشاد رحلتنا بالدراجات الهوائية إلى الحدود لنشبع فضولنا عن الإسرائيليين وحياتهم في المستوطنات. رأيت عربا آخرين في ليبيا بعد رحلة شاقة بحافلة نقلتنا من القاهرة مرورا بمرسى مطروح فالسلوم فطبرق وبنغازي فسرت ومسراطة حتى طرابلس الغرب. هناك لبينا دعوة السيد المنتصر رئيس وزراء المملكة الليبية على عشاء بالفندق الفاخر، ألقى خلاله خطابا رحب فيه بنا وأشاد بالعلاقات الثنائية وبدور العائلة السنوسية في تطوير هذه العلاقات. خلال الخطاب مال ناحيتي الدكتور حجازي المشرف على الرحلة لتكليفي بإعداد رد سياسي على خطاب رئيس الوزراء. أعددت الرد وألقيته ولم تفتني الإشارة إلى الوحدة العربية كحل لجميع مشاكلنا مع الاستعمار. كان السودان آخر رحلاتي الجماعية خلال سنوات المراهقة. هناك وفي الخرطوم اجتمعنا، نحن طلبة جامعة القاهرة، مع شباب الحزب الوطني الاتحادي، في شكل مظاهرة سياسية، واستمعنا إلى خطاب ألقاه السيد الأزهري زعيم الحزب.
***
تركت الجامعة لأنضم ملحقا سياسيا إلى السلك الدبلوماسي. كانت نيو دلهي العاصمة التي دشنت مرحلة الدبلوماسية في حياتي العملية وكانت أيضا شريكا للصدفة، هذا العامل الحيوي والدور المحروم من الاعتراف الواجب بقيمته في صنع مستقبلات البشر. لم يكن قد مر على وصولي واستلامي العمل بالسفارة سوى يومين عندما أبلغتني سكرتيرة السفارة أن مكتب السفير السعودي اتصل ليدعو السيد الملحق الجديد لمأدبة غداء بعد يومين بالنادي الأشهر في العاصمة.
لبيت الدعوة. هناك اكتشفت أن المدعوين جلهم من السفراء المعتمدين وزوجاتهم باستثناء سفير واحد لم يصطحب زوجته. هذا السفير كان يمثل دولة عربية، وهي سوريا، وقد حلت ابنته محل زوجته التي استيقظت صباح ذلك اليوم بصداع شديد اعتذرت بسببه عن عدم المشاركة في المأدبة فاقترح السفير السعودي أن تحل ابنتها محلها، وهكذا صار محتوما حسب المراسم الدبلوماسية أن أجلس في آخر المائدة، بصفتي احتل المرتبة الأدنى في التراتيب الدبلوماسية، إلى جانب ابنة السفير التي لا تشغل منصبا رسميا أو مراسيميا.
***
الصدفة التي جعلتني أصل إلى مقر عملي الجديد البعيد بآلاف الكيلومترات عن وطني قبل أربعة أيام من موعد انعقاد هذه المأدبة، وأن تمرض حرم السفير السوري وتقبل ابنتهما أن تحل محلها في مناسبة لا يحضرها عادة إلا كبار السن والمقام، وأن لا يوجد بين المدعوين من يمكن أن يملأ فراغا في مقعد خال بالضرورة في الطرف الأقصي من المائدة، وأن يتقارب العمران، عمر الملحق الجديد في السفارة المصرية وعمر شاغلة المقعد المجاور لمقعده، إذ لم يفصل بينهما سوى أربعة أعوام. هي في السابعة عشر وهو في منتصف الحادي وعشرين. هي الصدفة أو مجموعة صدف، واحدة منها على مستوى جيو استراتيجي، وهي الوحدة المصرية السورية وهذه تدخلت لاحقا، صنعت جميعها مستقبلا للاثنين مليئا بالأحداث والحكايات وزاخر بصدف أخرى جاءت لتخدم نفس المستقبل الذي خططت له الصدفة الأولى.
***
بفضل هذه الصدفة الأولي زرت بيروت وعاليه ودمشق لألتقي بقيادات الطريقة الشاذلية القادرية وأغلبها من النساء لنحصل كزوج وزوجة على البركة، وهي البركة التي حلت في أحد تجلياتها بعد حوالي خمسة عشر عاما في عاصمة دولة إفريقية. الطائرة التي حملتنا من موزمبيق، أنا وصبحي خضير زميلي العراقي العضو الثاني في وفد الجامعة العربية، بدأت هبوطها في مطار العاصمة. حذرتني المضيفة من أن المطار مزدحم بتظاهرة ضخمة. قال الزميل لعلهم توهموا أنك بصفتك مدير صندوق المعونة جئت تحمل أموالا مهداة من الجامعة إلى الدولة حديثة الاستقلال.
***
المهم أنه ما أن انفتح باب الطائرة إلا واندفع منه إلى داخلها عدد من رجال الدين وكبار القوم، أحدهم انحني والدموع في عينيه ليقبل يدي. فهمت بعدها أن جاءهم ما، أو من، ينبئهم بأن وفدا من الجامعة العربية سوف يصل وعلى رأسه رجل ينتمي بالمصاهرة إلى الطريقة الشاذلية القادرية. لم يهتم أحد مهم، خلال الزيارة، بأننا جئنا لندرس ونناقش حال اللغة العربية في هذه الدولة النائية جغرافيا عن عالمنا العربي، خاصة وأن هناك في الجامعة العربية وفي أوروبا من بدأوا يطرحون فكرة انضمامها إلى الجامعة.
***
هبطنا إلى أرض المطار ليقتادني وفد الكبار إلى منصة يتصدرها مكبر للصوت فالجمهور وبعضه قادم من جزر أخرى يتطلع بشغف وإيمان لكلمة ألقيها يتبركون بها. لوهلة بسيطة تذكرت تكليف الدكتور حجازي لي بإلقاء كلمة، بدون إعداد مسبق، في حضرة رئيس وزراء المملكة الليبية قبل حوالي عقدين من الزمن.
***
واستمرت الصدف تؤدي أدوارا خارقة في علاقاتي بالعرب استطرادا للصدفة الأولي، مأدبة غداء في الهند لم أستعد لها ورفقة عمر من صنع القدر ونسب مع طريقة صوفية واسعة الانتشار وذرية لا أطيب منها ولا أجمل ولا أصدق.
تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق