بين ضحايا الغارة الإسرائيلية طفلة بنت يومها، عثر عليها بين الأنقاض ولم يعثر على أمها التي وضعتها وضاعت في نقطة ما بين الدنيا والآخرة.
بين أن تولد عربيا وأن تموت على أيدي الإسرائيليين مسافة هي تلك التي بين الطائرة وبيتك مقسومة على سرعة الصوت، أو ضعفها،
بين أن تولد عربيا وأن تموت على أيدي الإسرائيليين مسافة هي تلك التي بين العجز بالقهر أو العجز بالأمر أو العجز بالعهر عهر أنظمة الردة والهزيمة.
… وهي هي مسافة “حبل السرة” بين الجنين وأمه: تقطعه القذيفة الإسرائيلية فإذا الوالدة والمولودة بلا تاريخ، فلا الماضي امتد حقيقة عبر الحاضر ولا المستقبل سيجيء تتمة لما كان.. هذا زمن وذلك زمن آخر، وبين الزمنين حرب معلنة ومستمرة وحرب أخرى ممنوعة فلا تكون ولا يكون القائل بها.
أن تولد الآن يعني أن تولد محاصرا بالموت: يترصدك إن أنت يممت جنوبا فتحصدك مدافع سعد حداد الإسرائيلية، أو طائرات إسرائيلية الأميركية، ويترصدك إن أنت يممت شرقا متجاوزا قلب بيروت وخطوط التماس إذ تحصدك قناصة بشير الجميل ودباباته الإسرائيلية.
ويترصدك وأنت في غرفة نومك إذ يصلك الصاروخ الإسرائيلي المحمول بطائرة أميركية يسيرها نفط عربي المصدر وعربي العائد!
كيف تعيش في زمن الموت: الموت كمدا، والموت خوفا، والموت صمتا، والموت بالهزيمة المفروضة؟!
لا خيار: تعيش بأن تواجه الموت، تعيش بأن تقتل الموت، تعيش بأن تقتل خوفك من الموت. تعيش بأن تقتل من يفرض عليك أن تختار شكل موتك.
فلنمت واقفين ولنقتل القتلة…
ذلك هو طريقنا إلى الحياة ولا طريق غيره بشهادة بيروت الثاكل والجنوب المجروح.

