استمرت تطاردني عقدة “جبل” المقطم، هذا العملاق بالنسبة لسكان سفوحه وما تحتها في الجمالية والدراسة أو بعيدا عنها في المنيرة وحي الحكومة، وكنت أحد هؤلاء السكان. تقدم بي العمر فانتقلت من المراهقة إلى الشباب اليافع وسافرت إلى أصقاع بعيدة ولم يعد المقطم عملاقا. صرت مع مرور الوقت وتعدد مواقع سكني وعملي أشير إليه بالتل المتواضع مثله مثل تلال كثيرة متناثرة حول مدن سكنتها غير القاهرة.
عشت أقارن تلّي المتواضع بجبال أقمت في أحضانها وسفوحها أياما سواء في لوسيرن وجنيف وإنترلاكن في سويسرا أو في أروشا، القرية التانزانية الراقدة عند سفح من سفوح جبل كليمانجارو، أتطلع من شوارعها الضيقة نحو أحد أعلى قمم العالم وأجملها، أم أقارنه بجبل وقفت أطل من شباك في مقهى عند قمته على فيينا، العاصمة الساحرة، أم أقارنه بما شاهدت من قمم بيضاء وأنا مطل لا أكثر، ولكن مرات عديدة، من شباك في طائرة على قمم آكونكاجوا الجليدية في سلسلة جبال الأنديز قرب الحدود بين الأرجنتين وشيلي.
أذكر أنه بعد أن أتممت مهمتي في شيلي والأرجنتين وقبل أن أعود إليهما في مهمة من نوع آخر حدث أن أنتجت هوليوود فيلما سينمائيا يصور سقوط طائرة فوق قمة مجموعة القمم المشكلة لما يعرف بقمة آكونكاجوا (أو بالأحرى الارتطام بها). وقتها ذهبت أكثر التقارير إلى أنها ارتطمت ولم تسقط بحكم أنها كانت تطير على أعلى ارتفاع مقرر لها، وكان في ذلك الحين يتساوى أو يقل قليلا عن ارتفاع بعض قمم آكونكاجوا. يصور الفيلم السقوط أو الارتطام، وكل منهما في حد ذاته مأساة مؤلمة، ولكنه يصور أيضا حكايات بشعة عن ركاب من جميع الأعمار يتضورون جوعا على امتداد مدة طويلة لم تتمكن كل ما أنتجته الخبرة لدى أعضاء طاقم الطائرة من أفكار وآليات وما تبقى في خزائن الطائرة من مواد غذائية وما أثمره التعاطف المتبادل بين الركاب، لم تتمكن كلها من سد جوع كل النساء والأطفال وكبار السن من الركاب خلال أسابيع امتدت فيها مأساة الركاب الأليمة.
***
تعمدت في هذه الرحلة الأخيرة إلى هذه القارة الممتعة بفنونها وبأهلها وحكاياتها، تعمدت أن أتناسى هذه المأساة متمنيا أن تكون زميلتي في المهمة الأكاديمية التي جئنا من أجلها، والجالسة على الطائرة مقعد الملاصق للشباك المطل على القمة، لم تشاهد الفيلم، أو لعلها رأته وتذكرته وتعمدت مثلي التعتيم على ذكراه المؤلمة، خاصة وأنني لاحظت بكثير من الرهبة أن قائد الطيارة التي كنا على متنها وكأنه أوقف صوت المحركات احتراما للمشهد أو لمشاعر من يعرفون ويتذكرون وهو بلا شك واحد منهم.
على كل حال ، أذكر أننا كنا قبل اقترابنا من هذا المشهد الرائع، والمهيب في الوقت ذاته، كنا كعادتنا في رحلاتنا الطويلة، وتلك كانت أطولها على الاطلاق، ننشغل بمناقشة ما كنا نشترك في التعلق به وهو تخصصنا الأكاديمي المشترك. وقتها كان هنري كيسنجر ملئ السمع والبصر، والعقل أيضا، وكان العالم ينتقل معه بهدوء من نظام القطبين إلى نظام هيمنة القطب الواحد وإن كنا لم نتوصل وقتها إلى اقترابنا من هذه النتيجة. خرج كيسنجر بأمريكا من حرب طال أمدها باتفاقية مع الفيتناميين وحقق نصرا على الاتحاد السوفييتي بزيارة قام بها مع رتشارد نيكسون إلى بكين، زيارة هزت أرجاء الكون، وقبلهما كان خارجا لتوه من عملية دبلوماسية -عسكرية أوقف بها حربا بين إسرائيل ومصر وعملية استخباراتية أسقط بها حكومة سلفادور آييندي في شيلي وأقام نظاما دكتاتوريا يقوده الجنرال بينوشيه. كنا في واقع الحال هناك، وأقصد أننا كنا في أمريكا اللاتينية، نراقب ونسأل ونناقش الآثار المحتملة لما حققته أمريكا من تغيرات جسيمة على العلاقات الدولية ولكن بوجه خاص على سلوكيات شريحة مهمة تمثل دول العالم النامي.
ما أشبه الحادث اليوم بما حدث قبل حوالي نصف قرن. حدث ويحدث ترقب مصاب بالخوف في معظم عواصم العالم النامي وبخاصة عواصم الشرق الأوسط، الخوف مما يمكن أن يحدث لها لو أنها لم تصطف فورا في طابور انتظار ما يتقرر لها. كل الظروف حرجة والعالم، والعرب جزء فيه، متوجه بكل طاقته نحو نظام جديد مجهول الشكل والهوية.
***
وصلنا وأصرت زميلتي ورفيقة رحلتي الثالثة، أو لعلها الرابعة، إلى سنتياجو أن نقوم برحلة سياحية إلى أماكن زرتها وتعلقت بها خلال إقامتي القصيرة في شيلي قبل هذه الرحلة بحوالي ربع قرن. لم أتردد في الاستجابة وما كان لها أن تصر، إذ كانت بثقافتها الواسعة وذكائها المتوقد وتجاربها في الحياة خير رفيق لرحلة نجوب فيها معا مواقع أخاذة ونستمع إلى نتف تاريخية يزودنا بها “شيوخ” قبائل منحدرة من شعب “المابوتشى” أو أساتذة جامعات وأصحاب مصارف ورجال ونساء دولة منحدرين بدورهم من مهاجرين أتوا من فلسطين إلى هذه البلاد، قبل أكثر من سبعة أو ثمانية عقود، نصف من عرفتهم جاء من رام الله والنصف الآخر من بيت جالا، وآخرين قدموا من ألمانيا وإسكتلندا وأسبانيا.
أذكر أن برنامج الرحلة، كما صغته أنا وأضافت زميلتي إليه، تضمن زيارة الشقة التي كان يسكنها بابلو نيرودا وكلانا كنا من المغرمين بشعره وتفاصيل حياته، لم ينقصنا سوى أن نجلس على مكتب له أو أريكة يطلان على المحيط من وراء شرفة في منظر حقا أخاذ، أو هكذا رأيته على كل حال.
هناك في المشهد، اجتمعت نعومة “فينيا ديل مار” الضاحية مع جمال فالباريزو الميناء الكبير والصاخب. أذكر بمناسبة الحديث عن نعومة وجمال المشهد من شرفة نيرودا أنه قبل القيام بهذه الرحلة تلقينا دعوة من شركة مالكة لإحدى أكبر مزارع العنب، وتقع في واد على الطريق الجبلي الموصل إلى فالباريزو وضواحيها.
لا زلت أذكر الصورة الكلية للمزرعة وما يحيط بها، قمم جليدية تطل بوقار وهيبة على مختلف الجهات المنبسطة والوديعة، وخضرة في الوادي تمتد إلى نهاية قدرة البصر وفندق فاخر وبسيط في آن واحدة وكرم ضيافة يتجاوز مقدرة الضيفين على الوصف والمديح.
عدنا إلى سنتياجو ليكتمل بثالثنا، الصديق عالم السياسة الأردني، فريق البحث المكلف بدراسة ظروف المرحلة الانتقالية بين الدكتاتورية والديموقراطية في ثلاث دول هي البرازيل والأرجنتين وشيلي. أشهد بأن زميلتنا لعبت دورا لا يمكن إغفاله، وهي التي يحسب لها أنها أسست لمدرسة بحثية عربية تعمل في فرنسا إلى يومنا هذا بكفاءة نادرة.
أنا مدين أيضا لمعلمة اللغة الإسبانية بالكثير غير تعريفي بنواحي الجمال والإبداع في هذه اللغة الراقية والناعمة، إذ كان لشرطها أن تعقد جلسات الدروس في مقهى على قمة “التل المتواضع” الذي كنت أسكن بجواره في العاصمة سنتياجو ليتوفر لكلينا الهدوء المطلوب للتركيز على التعليم والتعلم. كان له أيضا الفضل في إقامة العلاقة الطيبة بيني وبين التل، العلاقة التي جعلت هذا التل، رغم تواضعه، يحتل مكانة الإضافة المهمة إلى تراث ذكرياتي. أما الفضل الثالث لشرط التعلم من فوق قمة فكان في أنه أوجد للمعلمة متسعا من الأفق تستخدمه في زيادة حصيلتي من مفردات اللغة الإسبانية. حدث بالفعل أن وجودي يوميا ولبعض الوقت فوق هضبة هذا التل أن تعرفت بسرعة على جغرافية العاصمة والقمم المحيطة بها والنهر الذي قامت على ضفافه، تعرفت أيضا على موقع القصر الرئاسي وسط العاصمة والمعروف ببيت المال ومواقع الجامعة وأهم المصالح والسفارات وعلى الطرق الموصلة إليها.
***
عدت إلى سنتياجو في آخر رحلاتي لأكتشف أن تغيرات كثيرة وقعت في غيابي. وجدت شبان الجالية الفلسطينية مختلفين عن الجيل الأسبق في نواحي متعددة. غابت اللغة العربية مع غياب أجيال أسست الجالية وأجيال رعتها. لم يغب التعلق بالوطن السليب، ولم تغب كلمة “البلاد” وإن منطوقة بعربية “متعبة” وإن صادقة وخفيفة الظل.
المدينة، وأقصد العاصمة، أصابها، خلال غيابي، التحديث الذي أصاب مدنا أخرى في أمريكا الجنوبية، أستخدم متعمدا فعل “أصاب” لأعبر عن خيبة أملي، فالمدينة اتسعت و”ارتفعت” على نحو غير ما أحب. حتى “التل المتواضع” صار قزما بين التلال والمباني، أو تلّا يخجل من انكماش طوله فيزداد، لمن عرفه في سابق أوانه، قصرا على قصره.
غابت أيضا معلمتي، معلمة اللغة التي صعدت بي إلى قمة التل. لم يرد هاتفها فكان غيابها سببا من أسباب خيبة أملي في العاصمة كما تجددت أو تحدثت. لم أنس أنها، هي التي تقف وراء الكثير مما كنت أعرف عن العاصمة بل وعن شيلي. غاب أيضا معظم جيراني، وبخاصة هؤلاء الذين وجدوا لي، وأنا الغريب عن المكان، بيتا للسكن وقضوا معي ومع أسرتي معظم أمسيات “المائة يوم الشهيرة في حياتي”، مدة مهمتي الدبلوماسية في شيلي.
غاب الكثير، ولم تغب قمم الأنديز المطلة في وقارها وهيبتها، وحنانها، على سنتياجو، المدينة الوديعة.
تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

