Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

“السـفير” جريدة لا تموت (2)

لم تهنأ “السفير” بشبابها .. فبعد سنة إلا قليلاً من صدورها أطلت نذر الحرب الأهلية عبر اغتيال الشهيد معروف سعد في صيدا، بينما كان يتصدر تظاهرة الصيادين ضد شركة بروتيين، التي كان يقال ان الرئيس الراحل كميل شمعون كان يحميها ويفتح لها الأبواب الموصدة أمامها لأسباب تتصل بالمصالح، ولو على حساب فقراء الصيادين والناس عموماً.

تدريجياً أخذ الصراع السياسي يتعسكر … وهكذا فإن حزب الكتائب الذي كان قد باشر تدريباته العسكرية، بتواطؤ مع قوى نافذة في الدولة، أخذ يمد أذرعته في شرقي بيروت، وكانت التجربة الدموية الأولى في صدام في عين الرمانة مع مجموعة من الشبان الفلسطينيين كانوا عائدين من مهرجان شعبي في صبرا وشاتيلا سقط بنتيجته عدد من الشهداء والجرحى. وكانت تلك الشرارة الأولى.

نظر بعض السياسيين، وبينهم مسؤولون، الى هذه “المذبحة” على أنها “حادث” ليس له ما بعده .. لكن المناخ العام في البلاد كان يعتكر، مبلوراً شكل الانقسام السياسي طائفياً، كما هي “التقاليد” المألوفة في وطن من زجاج.

جرت محاولات للتهدئة، ومحاولة تجاوز “بوسطة عين الرمانة”، وعقدت مصالحات، وأعلنت هدنة أولى أسقطها اشتباك، فهدنة ثانية لم تعمر طويلاً، لكن الرئيس الشهيد رشيد كرامي ـ رئيس الحكومة ـ ظل على تفاؤله، ودعا اللبنانيين الى الاستمرار في مشاريعهم للاصطياف والاستمتاع بمزايا وطنهم الجميل.

لكن القوى جميعاً، يساراً ويميناً، لبنانياً وفلسطينياً، كانت تعيش هاجس الحرب الأهلية التي لم يتأخر انفجارها كثيراً … ولجأ الرئيس كرامي الى الحوار، فدعا مختلف القوى الى حوار وطني مفتوح في السراي الحكومي. لكن الحوار كان مرشحاً للنسف بحادث تفجير أو اغتيال سياسي، أو تصادم حول أفضلية المرور.

وجدت “السفير” ان من واجبها دفع هذا الحوار الى العلن، ومباشرة، وهكذا ذهبت الى قادة المعسكرين، “الحركة الوطنية” ومن معها، وتحالف “الكتائب” و”الأحرار” ومن معهم: فالتقت على التعاقب كلاً من الشهيد كمال جنبلاط والراحل جورج حاوي ومحسن ابراهيم أطال الله عمره، وصولاً الى ابراهيم قليلات، وكذلك المفتي الشهيد حسن خالد ورئيس المجلس الشيعي الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وبالمقابل الرئيس الراحل كميل شمعون ورئيس حزب الكتائب الراحل الشيخ بيار الجميل، والراحل ريمون إده..

كان الكل يظهر إيمانه بالحوار، وضرورة تجنب الحرب الأهلية..

لكن هذا “الحوار” لم يمنع تعزيز حركة التسلح والحشد والتدريب العسكري، وفتح الباب أمام تحالفات غير مألوفة: فإذا صدام حسين ينحاز الى ياسر عرفات ضد سوريا، و”يغازل” الجبهة اللبنانية بالسلاح الثقيل والذخيرة، وقد انضمت اليه ـ أقله بالمال ـ بعض دول الخليج .. كذلك فان مصر السادات قد مدت يدها بالمساعدة، في حين اندفع العقيد معمر القذافي الباحث دائماً عن دور، فقرر مساعدة المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية، ثم يفتح في الوقت نفسه الباب أمام الكتائب ومن معها بذريعة تشجيع الحوار “حماية للمقاومة الفلسطينية”.

صار لبنان، ساحلاً وجبلاً، جبهات متواجهة … وصار الانتقال من بيروت الى طرابلس يحتاج الى تأشيرة من الكتائب ومن معها، وكذلك عبور الصحف الى قرائها .. وصارت “السفير” جريدة “صباحية” في بعض بيروت والجنوب والبقاع “مسائية” في طرابلس والبعض الآخر من بيروت.

عمت الحرب لبنان بمختلف مناطقه، جبلاً وساحلاً .. وصار تنقل الناس بين بيروت وقراهم مشكلة أمنية عويصة، وانقسم هذا الوطن الصغير الى جبهات بحواجز مسلحة، وتعاظمت التعديات وحالات الاختطاف سواء للانتقام أم لطلب الفدية.

انشطرت بيروت الى مدينتين، وساد تعبير “الغربية” و”الشرقية”، وهو تدليل على الهوية الطائفية أكثر منه تقسيماً جغرافياً: فهنا الأكثرية الاسلامية مع من اختار أو اضطر الى البقاء حفظاً على منزله وتاريخه من المسحيين، وهناك أكثرية مسيحية مطلقة مع قرى محاصرة بأهلها من المسلمين .. حتى اشعار آخر.

في هذا الحوار، انتهت ولاية الرئيس سليمان فرنجية، وامكن ترتيب انتخابات رئاسية في المجلس النيابي المؤقت (قصر منصور) فاز بنتيجتها حاكم المصرف المركزي الياس سركيس بالرئاسة، نتيجة تسويات محلية وعربية ودولية وشيء من الذهب للمعارضين..

لم تكن سوريا، آنذاك طرفاً محايداً .. وان بقيت لها علاقات وطيدة مع الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، وعلاقات باردة نسبياً ولكنها قائمة مع الكتائب ومن معها، وبالمقابل “خصومة معلنة” مع ياسر عرفات وحركة “فتح” ومنظمة التحرير عموماً، ما عدا تنظيمها الفلسطيني (الصاعقة) والتنظيم المقاتل الآخر (الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة)، مع جهد ملحوظ للحفاظ على علاقة ودية مع الجبهة الشعبية بقيادة “الحكيم” جورج حبش.

كان الرئيس الياس سركيس المتحدر من القضاء رجلاً مسالماً لم يعرف السلاح يوماً، ولو للصيد. وكان حسن النية بالآخرين مؤمناً بوطنيتهم .. وهكذا دخل القصر الجمهوري ساعياً جهده الى اتمام الوفاق بين الفرقاء المعنيين ..

لكن الوفاق بين أطراف الصراع كان قد بات من المستحيلات، بعد دخول اسرائيل على الخط علناً، واستدراجها بشير الجميل القائد الشاب للكتائب الذي برز من خلال دوره كمقاتل، ومؤسس “القوات اللبنانية”، و “موحد البندقية المسيحية” تحت قيادته من خلال تصفيته سائر القوى المسيحية مثل “الوطنيين الأحرار” وبعض التنظيمات الأرمنية التي وجدت من يسلحها، ومختلف أصناف القوى المعادية للفلسطينيين خاصة، وللعرب عموماً.

مع نهاية العام 1976 ستدخل “قوات الردع العربية” لبنان بأكثرية واضحة من الجيش السوري وقوات رمزية من سائر البلاد العربية من ضمنها السعودية واليمن الجنوبي (وكان آنذاك دولة يحكمها حزب شيوعي)، وكل ذلك تحت راية الجامعة العربية ممثلة بموفد خاص (مصري) لعب دوراً طيباً في ما اعتبره حلاً للمعضلة اللبنانية التي انهكت العرب، وفتحت الباب أمام التدخل الأجنبي، بالعنوان الإسرائيلي ـ الأميركي.

كان أول ما فعلته القوات الخاصة السورية ان داهمت مكاتب بعض الصحف، وأولها “السفير”، حيث اقتاد ضباطها العاملين جميعاً الى مطار بيروت بعد حفلة تأديب سريعة في المكاتب .. وهناك جرى تحقيق سريع مع أفراد الأسرة انتهى باعتقال زميلين هما الراحلان محمد مشموشي وتوفيق صرداوي، واقتيادهما مخفورين الى بعض السجون في دمشق .. ولم يفرج عنهما إلا بعد ثلاثة وعشرين يوماً من “الضيافة”، تلتها دعوة رسمية لكاتب هذه السطور ومعي نائب رئيس التحرير بلال الحسن والزميل فيصل سلمان، حيث استقبلنا كوفد صديق، وأنزلنا في نادي الضباط، واستدعينا الى أكثر من لقاء سياسي أبرزها في مكتب اللواء ناجي جميل (قائد الطيران آنذاك) وبحضور وزير الخارجية عبد الحليم خدام واللواء علي المدني وغيرهما من كبار المسؤولين.

بعد هذا “اللقاء الحميم” سمح لـ”السفير” بمعاودة الصدور بعد تسعة عشر يوماً من التعطيل القسري،احتل خلالها جنود القوات الخاصة مكاتبها، بعد “مصادرة” أرشيفها والصندوق الحديدي الثقيل (خزنتها) الذي لم يكن يحتوي غير سندات الدين وبعض مستندات التأسيس.

فرضت الرقابة على الصحف من جديد، وعهد الى جهاز الأمن العام بمراقبة ما تكتبه .. وكان المأمورون غير المستعدين لتحمل أية مسؤولية عن إفلات خبر ما أو تعليق أو حتى صورة من رقابتهم، وهكذا فانهم يحذفون أولاً وربما بعد ذلك يقرأون..

ولقد ذهبنا يوماً، المرحوم أسعد المقدم وأنا لزيارة رئيس الجمهورية الجديد المرحوم الياس سركيس الذي باشر عهده بالدعوة الى الوفاق..

قلنا: جئنا، فخامة الرئيس، نسألك كيف يمكننا ان نساعد في نجاح دعوتك للوفاق الوطني؟..

وفوجئنا به يقول لنا: اذا اردتم أن تساعدوني فاسكتوا.. لأنكم اذا ما كتبتم سيرد عليكم الآخرون في الجهة المقابلة، وتردون عليهم.. فتعلق،

ضحكنا كاسرين جدار الوقار الرئاسي: وهل تظن، فخامة الرئيس، أن ابا الغضب او ابا الجماجم يصحو صباحاً فيستحم ويجلس على كرسيه ممدداً ساقيه ثم يتناول الجريدة فيقرأ، فاذا قرأ إنفعل، واذا إنفعل حمل رشاشه ونزل إلى الشارع فأخذ يطارد العابرين برصاصه.. لو أن امثال هذا المقاتل المغوار، يقرأون، يا فخامة الرئيس، لما وقعت الحرب، ولما استمرت كل هذه السنين..

لكن الرجل الطيب حسن النوايا لم يقتنع بمنطقنا العملي..

وكان الدكتور سليم الحص الذي تولى مع بداية العهد، رئاسة الحكومة، لأول مرة، من اشد النابذين للعنف بمختلف اشكاله، ولو تجلى بصيد العصافير..

بعد ذلك سنمارس “اعمال السحر” مع الرقابة على الصحف التي كان يتولاها نفر من رجال الامن العام، بلا أية ثقافة سياسية، ولا يتقنون الا شطب كل موضوع او جملة في موضوع او صورة يسيئون تفسير القصد من نشرها فيفضلون الحل الاسهل وهو الشطب والحذف وترك المساحة بيضاء ليقرأ القارئ في ذلك البحر الابيض الذي يفترض أن يكون اسود ما شاء له الهوى او الغرض أن يخمن او يقدر ثم بعد ذلك يستنتج من المساحة البيضاء.

وامضينا، كصحافيين، فترة بطالة قسرية عن العمل، إلى أن اكتشفنا نقاط الضعف عند الرقيب فاستعدنا نشاطنا وأبدعنا:

ذلك أن الموظفين الذين يأخذون الصفحات إلى الرقابة سمعوا نقاشاً طريفاً بين المراقبين، خلاصته أن لكلام المفتي والبطريرك ورئيس المجلس الشيعي ومن في مرتبتهم حصانة عند المراقبين.. كذلك الامر للآيات القرآنية او لبعض النصوص الواردة في الانجيل. وهكذا استأذنا سماحة المفتي حسن خالد وسماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين أن نستشهد ببعض ما يحصن ما نريد قوله في السياسة لدى المراقبين، فتكرموا علينا بالإذن، وبدأت حفلة لعب لا تخلو من الطرافة مع المكلفين بمنعنا من الحديث الطبيعي في مأساة وطننا الجريح.

وكان أكثر ما أبدع في تأليف هكذا مقدمات او مقتطفات الزميل شوقي رافع الذي اسبغنا عليه لقب “الفقيه”.

وللحديث صلة..

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *