Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

قمة وضاعت

أعلنوا عن قمة عربية تنعقد في بيروت. عاد بصيص الأمل. أطل على المدينة فانتعشت. ارتدت الطبقة الحاكمة أفخر ما في خزائن ثيابها. توقف المرور في شوارع هامة. راحت الصحف القليلة تجرب مانشتات محتملة ويحلم أصحابها ومحرروها بمواعيد لمقابلات. تراهن الدبلوماسيون الأجانب واستعدوا فأوصوا مصادرهم وزبائنهم. نامت العاصمة ليلة غابت فيها الأحلام وحلت الكوابيس لتستيقظ على يوم بلا قمة. يوم جديد تستيقظ فيه الشعوب العربية على فرصة ضاعت وأمل خاب.


استيقظ قليلون مثلي على وقع مناقشات وخطابات وحوارات جارية حول الدورة الجديدة لمؤتمر دافوس. هناك كما جرت العادة في السنوات الأخيرة يجتمع عظماء وقادة الجماعة الرأسمالية العالمية. هذه المرة الخطب كما يقال جلل. ليس فقط لأن الرأسمالية كما عرفها الغرب مهددة فقد تمددت أزمتها التي نشبت في عام 2007 إلى أطول من قدرتها على التحمل، وقدرتها كما كنا نسمع أسطورية، ولكن الخطب جلل أيضا لأن الجانب الليبرالي في هذه الرأسمالية تحديدا والذي ميزها عن ديمقراطيات أخرى أصابه خلل شديد بل بالغ الشدة والغرابة. بعض هذا الخلل كان من أفعال أحزاب ملتزمة الديمقراطية ومفكرين وسياسيين غربيين اجتهدوا فقرروا أن القيم الليبرالية عقبة يجب القفز فوقها إن أراد الحكام الديمقراطيون تلبية مطالب الشعوب بالسرعة الواجبة والكفاءة اللازمة. هكذا وبالقرارات المناسبة أصبحت أكثرية شعوب الدول الديمقراطية لتجد نفسها خاضعة لأنظمة حكم ديمقراطية الشكل والهياكل منزوعة الجوهر الليبرالي، أي بحقوق أقل وحريات أضيق وقوانين مقيدة. المسؤول هو التقدم الهائل للتكنولوجيا. مسؤول أيضا تنوع وانتشار أدوات “السوشيال ميديا”. مسؤولة كذلك حالة الفزع الناتجة عن وباء القلق الذي أصاب شعوبا تعيش في توقع دائم لعصر وهيمنة مخلوقات الذكاء الاصطناعي. الخطب فعلا جلل ويستحق أن ينعقد من أجله مؤتمر قمة في دافوس.


تصادف أن اطلعت قبل يومين على أحدث تقرير أعدته إدارة المخابرات الحربية بوزارة الدفاع الأمريكية عن وضع جيش التحرير الصيني وتعليقات خبراء عليه وعلى سياسات الدفاع الصينية في الأجل المنظور. علمت منها، من التقرير والتعليقات، ما لم أكن أعلم وصححت بعض معلوماتي عن تطور العسكرية الصينية في الأعوام الأخيرة وأكدت بعض ما كنت أعلم عن طموحات الصين الاستراتيجية.

يصعب بطبيعة الحال عرض هذه السياسات والطموحات في هذا الحيز المتواضع ولكني انتقي ما أتصور أنه يمس قلب الشرق الأوسط وأمتنا في هذا القلب. فهمت أن الصين تبذل جهودا هائلة في تدريب مختلف أفرع القوات المسلحة على التفاعل فيما بينها والعمل مشاركة. أعرف أن الصين لم تدخل حربا، أي لم تجرب جيشها منذ أكثر من أربعين عاما. أنا لا أضع عملياتها العسكرية في التبت أو في أقاليم أقليات أو ضد تمرد أو عصيان عمالي أو فلاحي تحت عنوان الحرب. وعلى كل حال مؤكد أن صواريخ الصين متوسطة المدى وحاملة طائراتها بل وأسطولها، الثاني في العالم حسب إحصاء والأول حسب إحصاء آخر، لم تشارك مع القوات البرية وقوات المدفعية في أي عملية عسكرية كبرى. المهم أن كل التقارير تشير إلى أن هذا الجيش يجب أن يكون مستعدا وعلى أكمل وجه في ظرف سنوات قليلة جدا لسببين على الأقل عاجلين. السبب الأول يتعلق بأحوال الغضب ومظاهر القلق التي تنشأ بسبب احتكاك العمال الصينيين بالسكان المحليين على طول مسافتي الحزام والطريق في المبادرة التي تحمل اسميهما. قرأت على كل حال أنه تقرر مؤخرا أن يتولى الجيش الصيني حماية المنشئات والمواطنين الصينيين على امتداد مشاريع المبادرة. السبب الثاني يتعلق بنظرة مستقبلية للاستراتيجية الدفاعية الصينية. وأظن أنه قد صار واضحا لي بدرجة معقولة أن هناك في خرائط الدفاع الآسيوية ثلاث خطط استراتيجية مهمة.

الأولي خطة طويلة الأجل تعد لها منذ سنوات المؤسسة العسكرية الأمريكية لتحقيق انسحاب من آسيا كامل وإن متدرج التنفيذ، عملا بمبدأ يتداول بكثرة في واشنطن هذه الأيام وهو “أتركوا آسيا للأسيويين”. وبهذه المناسبة لا أذكر أن أحدا ذا حيثية في الغرب اعتبر العرب من الآسيويين.

الثانية مشروع روسي يحمل العنوان التالي “الدفاع عن أوراسيا مسؤولية روسية”. مشروع كهذا لا يخفي طموحا قديما لروسيا القيصرية والسوفييتية تمتد بفضله خطوط الدفاع عن الدولة الأم التي هي روسيا من ساحل الباسيفيكي في أقصى الشرق إلى وسط أوروبا وقلبها النابض دائما.

الثالثة وهي رؤية استراتيجية صينية للدور الذي سوف يخول لجيش التحرير الصيني حق التدخل لحماية كل الأقاليم والبلاد التي ستخضع بشكل أو بآخر وبصيغة أو أخرى لنفوذ، ولا أقول لهيمنة، الصين. خاصة وأن الهيمنة كلمة منبوذة من قاموس الدبلوماسية في الصين، إيمانا بأن لا هيمنة في الاشتراكية. تفترض الخطة أن يكون لجيش التحرير الصيني قواعد وتسهيلات بحرية على طول شواطئ جنوب آسيا باستثناء الهند وشواطئ جنوب شرقي آسيا وشواطئ شرق آسيا أي على المحيط الباسيفيكي، باستثناء أستراليا ونيوزيلندا. يدخل ضمن هذه الرؤية حقوق الدفاع عن مصالح الصين على امتداد خطي مبادرة الحزام والطريق ربما باستثناء الأقاليم الواقعة ضمن مشروع أوراسيا الروسي، أو بترتيب خاص بين المشروع الروسي والرؤية الصينية.

نجازف فنتنبأ بأن هذه المشروعات الدفاعية الثلاثة سوف تلتقي جميعها في مرحلة أو أخرى من مراحل التنفيذ في إقليم بعينه هو الشرق الأوسط الكبير وبالكبير أقصد الأوسع. أجازف أكثر فأتنبأ بأن يكون لقلب هذا الشرق الأوسط الكبير مكانا متميزا في صلب هذه المشروعات، وأن سباقا هائلا نحو بسط النفوذ المبكر سوف تشهده هذه المنطقة، منطقة القلب، وأن هذا السباق ولعله بدأ فعلا لن تشتد حرارته وكثافته إلا بوصول الصين بكامل هيئتها واستعدادها.


لا أعتقد أن المشروع التوسعي الإسرائيلي يحتاج مني إلى عرض موجز أو مفصل. كلنا صرنا نعرفه حق المعرفة. بأفعاله زرع في نفوسنا الكره له ولكل ما يمثله أو يتشبه به في الهيمنة الغربية والاستعمار طويل الأجل. رضعنا رفضه مع حليب أمهاتنا ورضعتموه يا شباب القراء مع حليب أمهاتكم. هناك بلا شك رؤية إسرائيل لدورها في مواجهة الرؤى الأمريكية والروسية والصينية أو الاستفادة منها. أقول بلا شك لاقتناعي بأنها دولة تقدمت وعرفت كيف ترسخ التخلف فيما حولها واستعدت عسكريا ونوويا لمواجهة أكثر من احتمال، كلها بمساعدة أمريكية وبعضها بدعم من جهة عربية أو أخرى. قبل أسابيع كانت هناك في القرن العربي وقبل أيام كانت هناك في القرن الأفريقي تتسابق مع المتسابقين ثم انتقلت إلى تشاد تسبق غيرها.


أزعم أن جميع هذه الرؤى أو الخطط اختارت أن يكون إقليم الشرق الأوسط بداية أو نهاية حلم “هيمنة” أو سيطرة بحجم تاريخي وإمكانات هائلة. أزعم أيضا أنها تركز من الآن على قلب هذا الإقليم، أي على القلب العربي. كلهم لا يخفون اهتمامهم بمستقبله وبمواقعهم المحتملة فيه والأدوار المتوقعة منهم.

الغريب جدا في أمر القلب العربي للشرق الأوسط وحاله على ما نعرف أن تأتيه فرصة في شكل قمة يجتمع فيها أهل القرار ليتدبروا أمرهم وأمر القلب الذي ينتمون إليه وليبحثوا لبلادهم عن مواقع في هذه الرؤى والخطط ويتدارسوا كيف الخلاص من سباق لا مصلحة لنا فيه، ومع ذلك يقررون بكامل إرادتهم أن يدعوا الفرصة تمر فيفقدوها.

ما زلت غير مصدق أن فرصة قمة أتتهم فبددوها.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *