Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

في أهرام هيكل

تقديم عام

أسعدني زماني بأن أتاحت لي مهنتي، الصحافة، ولوثة الشغف بالثقافة، رواية وشعراً وقصة قصيرة، فرصة التلاقي مع كبار من بلادي، ادباء وكتاباً وشعراء، رسامين وصحافيين مميزين، ملحنين ومطربين ومطربات، وممثلات وممثلين ومخرجين شكلت اقلامهم علامات مضيئة في تاريخ المسرح والسينما العربية.

هنا، سأروي، وبشكل غير منتظم نتفاً من الذكريات عن اولئك الكبار.

******

في أهرام هيكل:

 

1 ـ لويس عوض..

 

عندما دخلت مؤسسة “الاهرام” في مبناها الجديد في القاهرة، اول مرة، كنت اقصد مجددها، مبنى ومعنى واسلوباً وإعادة صياغة شاملة لمحتواها، مع اضافات نوعية عديدة، صحافي القرن محمد حسنين هيكل.

بعد هيكل ومعه كان همي أن تُفتح أمامي ابواب “طابق الخالدين”، وهو السادس في ذلك المبنى الانيق الذي تزين مدخله لوحات للفنان الكبير صلاح طاهر، في حين يتقاسم المفكرون والشعراء والكتاب المعروفون جنباته: توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، لويس عوض، صلاح عبد الصبور وبعض الذين يمشون على خطاهم من المبدعين..

غالباً ما كان يجتمع في مكتب توفيق الحكيم لويس عوض ومبدع كتابة الرحلات الحسين فوزي، ويحتدم النقاش إذا ما حضره “مشرقي” مثلي، فتعلو النبرة “المصرية” في وجه “داعية العروبة” الآتي من بيروت إلى قاهرة عبد الناصر، وتتمايز المواقف حتى يصرخ لويس عوض: اسمع انت يا حسين، واسمع يا توفيق، حتى في ايام تحوتمس كانت حدود مصر الشرقية عند جبال طوروس… ولا مرة كانت مصر تنتهي عند سيناء، او حتى عند فلسطين.

على أن هذا الموقف الذي يتبدى “قومياً” سرعان ما يتهاوى اذا تناول الحديث هزيمة 5 حزيران 1967.. فلهذه الهزيمة عند “الفرعون” لويس عوض تفسير طبقي:

ـ خسرنا الحرب، يا سيدي، لان ضباط الجيش كانوا من الفلاحين والغلابه… ما كانوش اولاد باشوات واسر عريقة، يخجلون من العودة إلى ذويهم مهزومين وقد أهانوا شرف النسب..

وكنت أهم بالاعتراض فيمنعني عنه توفيق الحكيم: سيب تحوتمس بحاله.. هذا رجل لا يمكن اقناعه بغير ما نشأ عليه..

******

ذات نقاش طويل في مكتب توفيق الحكيم، قمت لانصرف فرافقني لويس عوض حتى المصعد ووجه اليّ دعوة لزيارته في بيته، حيث يمكن للنقاش أن يتوسع “من دون مشاغبات الحسين فوزي وهزات رأس توفيق الحكيم بالموافقة”.

البيت انيق دون مبالغة، والمكتبة تحتل الصدارة في صالة الاستقبال وغرفة الجلوس التي يتربع فوق واحدة من طاولاتها بعض الكتب “قيد القراءة”.

قال الصعيدي الذي ولد في قرية شارونة بمحافظة المينا:

ـ اعذرني على الفوضى.. ولكنني لا اعرف مهنة، الآن، في سني، غير القراءة والكتابة.

ولقد عرفت الغرب ودرست فيه، وعرفت الشرق ودرست الماركسية، وكدت اصير شيوعياً برغم نشأتي البورجوازية او بسببها.. وانا أقدّر الرئيس جمال عبد الناصر تقديراً عالياً، لكنني اعارض النظام البوليسي في أي مكان. وأفترض أن “الرئيس” اقوى من نظامه، وأفترض انه يسعى لدمقرطته، لكن الدولة العميقة في مصر ستمنعه..

صمت قليلاً، ثم اضاف: اصارحك انني لم أكن مع قيام دولة الوحدة. كنت اراها تعتمد على شخصية “البطل” أكثر مما تنتبه الى واقع التباعد الجغرافي وضمنه العازل الذي يشكله العدو الاسرائيلي، وفارق الوعي السياسي بعنوان وحدة الانتماء القومي. فالمشاعر الدينية في مصر تغلب على الشعور القومي، بينما في سوريا التي عرفتها جيداً فإن الشعور القومي هو الغالب بالضرورة لأنه يطغى فيتغلب على الانقسامات الطائفية والمذهبية.

صمت لويس عوض قليلاً، ثم أضاف:

ـ الوحدة تحتاج اضافة إلى المشاعر، مهما كانت صادقة، الوعي بالحالة الاقتصادية الاجتماعية، وموقع الدين في السياسة.. وكنت اتمنى لو اننا بدأنا بخطوات تنطلق من المصالح المشتركة التي يمكن أن توصل إلى الاتحاد، بالضرورة والوعي .. لكننا تعجلنا بتحقيق الاحلام فاصطدمنا بالوقائع الضبابية.. ولم تنقذنا الحماسة.

وختم لويس عوض بقوله:

ـ انا صعيدي مثل جمال عبد الناصر، وهو من أصول عربية كأهل قرية بني مر، وأنا بحسب مكان ولادتي ونشأتي في اقصى مصر جنوباً “مصري” إلى حد اتهامي بالفرعونية.. وعروبتي اكتساب او انتساب سياسي اعتز به.. وعندي شعور بالاستقرار لان “دولتي” ظلت في كل حالاتها موحدة كبلد، وطن، سواء ايام اليونان او الرومان، وسواء عندما دخلتها البيزنطية او عندما جاءها الاسلام مع الفتح العربي..

أما سوريا فتاريخها مختلف، وشعبها قد عانى التمزق واختلفت عليه الحال بين ماضيها العريق متعدد المراحل (الاشوريون، الكلدان، الاستعمار الاجنبي ـ الروم ثم الفتح العربي، وانتقال مركز الدولة العربية ـ الاسلامية إلى دمشق) تأثيرات الحروب الصليبية، ثم، نهاية هذه المرحلة على يد صلاح الدين (الكردي) ثم سقوط الدولة العربية امام السلطنة العثمانية، انتهاء بعودة الوعي والسعي إلى الاستقلال، فالاستعمار الفرنسي واقتطاع شرقي الاردن ومعظم لبنان منها، حتى استقرت، سياسيا، على ما صارت عليه في الاربعينات وربما لأنها تنشد الاستقرار وتوحيد الهوية كانت عظيمة الحماسة للوحدة.

ولهذا كان الاختلاف بيننا، بين “مادية” مصر، اذا شئت، و”عاطفية” سوريا في تطلعها إلى الوحدة.. وكان لا بد أن تفشل التجربة متسببة في صدمة عاطفية ستكون لها نتائج سياسية خطيرة..

صمت لويس عوض قليلاً، ويتأملني وانا اتابعه، ثم اضاف:

ـ تعجلنا فانتكسنا.. وآثار النكسة ستعيش معنا طويلاً معمقة اسباب “الانفصال” الذي اكتسب الآن “شرعية” لم تكن له. أعان الله اجيالنا القادمة.

وقمت لانصرف من.. موكب العزاء.

 

 

 

الردود: 1
  • صابر هاشم
    27/10/2018

    تحياتي. رغم كل ذلك،يبقى زمن العزة والكرامه في زمن عبد الناصر هو ما نفتقده في هذا الزمن الأغبر،هذا الزمن الذي لا طعم ولا رائحه ولا بصيص أمل فيه ولو في آخر النفق اللا متناهي.وا أسفاه يا سيدي على الزمن الجميل الذي تكاد ملامحه تتلاشى في التيه الذي نحن فيه.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *