Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

سهرة ثقافية

أشكر لك دعوتك لي لقضاء سهرة تسميها ثقافية وأسميها سهرة أنس، تخللها عشاء تسميه خفيفا وأسميه عشاء كريما وشهيا. كنت تعرف عن رغبتي أن تدعوني لواحدة من هذه السهرات ولم أفهم دوافع ترددك كل هذا الوقت. أظن أنني بعد سهرة الأمس فهمت وقدرت.

حرصت، كما لاحظت وعلقت، أن أكون في المكان قبل وصول بقية الضيوف. أصرح لك الآن بما لم تصرح به لك امرأة من قبل. ذهبت مبكرا لأنني رغبت في أن تراني النساء من ضيوفك وأنا أشاركك الترحيب بهن وبغيرهن من المدعوين. لا تحاول أن تستغل هذا التصريح لتسألني أسئلة لن أجيب عنها، فأنا في الحقيقة لا أعرف إجابة مؤكدة عن أي سؤال محتمل صدوره منك حول هذا التصريح. كل ما أستطيع إضافته الآن هو أنني كنت سعيدة أيما سعادة بعلامات وأسئلة الفضول التي لم تهدأ على امتداد السهرة. لك أن تعلم أيضا أن لحظات تعاسة تخللت هذا الشعور بالسعادة كدت بسببها أتصرف بارتباك وحرج. لم أفهم وقتها، أو لعلني أدعيت عدم الفهم كما تدعي كثيرات من بنات جنسي.

***

تذكر طبعا أنه جلست إلى جانبي امرأة رشيقة القوام بوجه لا يكشف بالدقة الواجبة عن عمرها. لا تسألني كيف عرفت أنها في عجلة من أمرها لتعرف عن تاريخ علاقتي بك ما يكفي لإشباع فضولها. بدت غير مطمئنة وغير مصدقة لما سوف أقول قبل أن أقوله. تحدتني بهذه النظرة التي تختص بها النساء دون الرجال. نظرة يقال إنها تعري الرجل فتفصل كذبه عن صدقه ولكن مع امرأة أخرى ينطبق على هذه النظرة قول القدامى عن نصال تتكسر على النصال. عرفت منذ اللحظات الأولى أننا، أنا وهي، لن نخرج من هذه السهرة صديقتين. أحلف لك بكل غال أنني بذلت أقصى الجهد واستخدمت ما توافر من مخزون ذكاء لإقناعها أن ما بيننا، أنت وأنا، ليس أكثر من مشروع ثقافي يتبلور شيئا فشيئا. لم تقتنع.

عملت بنصيحتك ألا أطيل الجلوس في مكان واحد.. استأذنت من جارتي وانتقلت إلى مقعد خال بجوار رجل لا تخلو من صورته أو اسمه صحيفة قاهرية. أعرف عنه وأقرأ له وأشاهده في كثير من برامج الكلام. حذروني منه. قالوا إنه يتكلم كما يتنفس. لا يتوقف عن الكلام في المفيد وغير المفيد، فيضيع المفيد إن تصادف وكان لديه ما يفيد. قدمت نفسي إليه ولم يبادلني بلفتة مماثلة. لم أتمالك نفسي إلا بالقدر الذي لا يسيء إلى سهرتك وشخصك. التفت إليه وسألته، بس حضرتك ما قلتش أنت مين؟. علموني منذ سنوات مراهقتي أن إهانة المرأة لرجل تساوي أضعاف إهانة رجل لرجل. توقعت رد الإهانة فجاء متأخرا وغير مباشر وموجها لك كما هو موجه لي.. سكت برهة ثم راح لدقائق معدودة يتكلم مع جار يجلس على الناحية الأخرى ليلتفت ناحيتي فجأة ويطلب منى بلهجة الاستاذ المعلم أن أترك مشروعنا وأقبل العمل معه في مشروع أجني من ورائه دخلا كريما جدا ووظيفة دائمة في موقع سياسي متميز وسهرات مع شخصيات أهم كثيرا من ضيوف الليلة. ألم أقل لك أن تكون حذرا في التعامل مع رجل «عظيم» أهانته امرأة. يأخذني منك في حفلة أنت صاحبها ومضيفها وأنت جليسنا.

***

ضيفة شابة جاءت متأخرة. طلبت منا وأنت تقوم بتعريفنا على بعضنا البعض أن نذكرها جيدا فاليوم قريب حين تتبوأ مكانة تستحقها في عالم الفن والثقافة. تطوع أكثر من رجل بين الضيوف ليتناوبوا على تشجيع الفتاة. انتهزت فرصة خلو مكان بجانبها لأجلس فيه قبل أن يهجم الرجال فيحتله أحدهم ولا يبرح. كان حديثها في مستوى ذكائها وجمالها رائعا خلابا. حالمة مثل كثيرات قابلتهن في ميدان أو آخر وفي يوم أو آخر من أيام زمن الحلم المصري. عرفت منها أنها تحب رجلا أكبر منها. هو يعرف وينكر عليها الحق في أن تسمي شعورها تجاهه بالحب. ليس حبا هذا الذي تشعر به. قالت «بل هو الحب وإن أنكره. هو لا يرفضه ولكنه يخاف أن يصيبني من ورائه ضرر. هذا الخوف دليل حبه لي وإن استمر ينكر». أضافت مسترسلة «أراه يستمع ساخرا إلى تفاصيل أحلامي التي أسردها دون ما خجل. أحكي دائما عن الساحرة التي سوف تصل في يوم غير بعيد وتنزل من عربتها الذهبية وفي يدها عصاها الماسية تشير بها إلينا، هو وأنا، أن نصعد إلى العربة التي سوف تطير بنا إلى عالم بعيد، الناس فيه سعداء دائما». توقفت عن سرد أحلامها باحثة عن صداها عندي. سكتت طويلا قبل أن تعود لتتهمني بأننى مثله لا أثق بطاقة الحب عند الشباب، وعندها بالتحديد.

***

هناك عند الركن جلس رجل آخر من مشاهير كثر حفلت بهم السهرة. أعرف منك أعجابك بصراحته وشجاعته ومواقفه السياسية الجريئة ورؤيته الثاقبة. هل تذكر حين استأذن منك مناقشة قضية ثقافية حساسة ومثيرة لكثير من الجدل في المجتمع. تحدث في مستهل عرضه عن فساد يحيط بالقضية وعن انشقاقات في دوائر السلطة الثقافية وعن مسائل غش وخداع. الفتاة إلى جانبي لا تحاول إخفاء انبهارها. لعله حبيب قلبها. هل هو فعلا الرجل كبير السن الذي تنتظره ساحرة وعربة مذهبة وفتاة منبهرة وولهانة وأرض ميعاد بعيدة لا يسكنها إلا السعداء؟

***

استمر النقاش ساخنا وعند لحظة معينة كادت حرارة النقاش تصل إلى درجة الغليان. لم أشعر إلا بسيدة غلاف شهيرة تهب من مقعدها منتصبة وتمر علينا تختطف هواتفنا الذكية وتذهب إلى حيث وجدت ثلاجة كبيرة فتحتها ووضعت في داخلها الهواتف وعادت تردد كلمتين «خدوا راحتكم». جئت إليك أستفسر فهدأت من روعي بقولك «يحدث الآن في جميع السهرات».

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *