طلال سلمان

وحدة وطنية تلك معضلة

كانت الوحدة الوطنية امتيازاً للبنان، ينفرد بها عن سائر البلاد العربية نتيجة لوضعه الخاص المتصل بتركيبته السكانية التي تتقارب فيها الأقليات عدداً ونفوذاً، في غياب أكثرية حاسمة وصاحبة حق شرعي مطلق في الحكم..
وكان لهذه الوحدة الوطنية ضمانات عربية ودولية ترعاها فتحميها بوصفها بعض مصالحها في المنطقة فضلاً عن كونها مجالاً لتأكيد النفوذ.
أما اليوم فقد باتت الوحدة الوطنية مطلباً بل مطمحاً يعز مناله في العديد من الأقطار العربية التي لا خوف من اختلال التوازن الدقيق فيها لأسباب عرقية أو طائفية أو مذهبية.
فالانقسام السياسي الحاد يمكن أن يعكس نفسه على الشعب فيشرخ وحدته، ويضعف مناعته، ويوهن إرادته وقدرته على الإنجاز..
وها هو الوضع الفلسطيني يؤكد القاعدة القائلة بأن الانقسام الوطني هو استثمار ممتاز للعدو الإسرائيلي خصوصاً وللقوى الأجنبية عموماً، إذ يفتح باب التدخل الخارجي على مصراعيه مما يعقّد الأمور فيصبح التفاهم بين الأطراف المحلية أكثر صعوبة… إذ سيدخل الأجنبي عدواً كإسرائيل أو مقدماً نفسه ك صديق مهتم ومعني بالوحدة الداخلية انطلاقاً من اهتمامه باستقرار المنطقة ، كما تدعي الإدارة الأميركية أو كما يحاول الاتحاد الأوروبي… ثم يتذرع الجميع بعناد أطراف القضية وتصلبهم أو تشنجهم أو ارتباطاتهم التي تمنع عليهم التوافق، فينسحبون تاركين لإسرائيل أن تضغط بقوتها النارية لتحويل الخلاف السياسي بين الأخوة أبناء القضية الواحدة إلى حرب أهلية..
ومع أن الأوضاع في العراق أكثر تعقيداً لأسباب متعددة، بينها ماضي الطغيان الذي عمّق الانقسام بين أبناء الشعب الواحد، ثم الاحتلال الأميركي الذي وجد في جو الانقسام السائد، عنصرياً وطائفياً ومذهبياً وقبلياً، المناخ المؤاتي لتوطيد سلطته فعمل على تعزيزه ثم تشريعه وتقنينه لتكون فتنة مفتوحة قابلة لأن تمزق الكيان السياسي الموحد إلى محميات طائفية ومذهبية وعنصرية مقتتلة في حرب أهلية يصعب حصرها في أرض الرافدين ومنع تمددها إلى دول الجوار، بما يخيفها جميعاً ويهدد فيها ليس الأنظمة القائمة فحسب بل الشعوب التي قد تصيبها لوثة الانقسام وطلب الاستقلال في ظل الحماية الأجنبية.
ببساطة، يمكن القول الآن إن الوحدة الوطنية قد تحولت في كثير من الأقطار العربية من بديهية تشكّل أساساً للوطن ودولته إلى مطلب يبرّره الانقسام السياسي المتمادي في ظل حكم مختلف عليه ولا تتوفر عند معارضيه القوة لإسقاطه.
هذا واقع مفجع، لكننا نسمع الصيحات المنذرة بالخطر على الوحدة الوطنية في معظم الأقطار العربية، مغرباً ومشرقاً، وإن كانت أرض المشرق أكثر خصوبة لأسباب تتصل بالتقسيمات التي اصطنعت الكيانات السياسية فيه تاركة في كل منها الألغام الكفيلة بأن تنسف وحدتها وسلامة شعبها، إذا ما أصاب التوازن الهش أي خلل مقصود أو نتيجة للاختلاف بين مكوناتها.
ألا نسمع بين الحين والآخر دعوات حارة ومخلصة في مصر، الكيان الأكثر تماسكاً على مرّ التاريخ، لحماية الوحدة الوطنية؟! وكذلك الأمر في الجزائر والمغرب وفي اليمن وسائر الأقطار؟
وبالعودة إلى لبنان يمكن القول باختصار إنه ما من مرة اختل فيها التوازن السياسي إلا وتهدّد الخطر الوحدة الوطنية، خصوصاً أن الخارج يسعى لتعظيم الاختلال بتحريض فئة أو فئات على أخرى وإيهامها أنها الأقوى وأنه سندها الذي يدعمها ويمنع عنها الهزيمة، بل ويعزز قدرتها على الانتصار!
ومن الضروري تنبيه القوى جميعاً، لا سيما تلك التي تستشعر أنها جبارة وقادرة على إلحاق الهزيمة بالآخرين، لأن العالم معها، إلى أن اللبنانيين قد دفعوا غالياً ثمن تجارب مريرة كان أبطالها يفترضون أنهم سيدهشون العالم .. فأدهشوه فعلاً ولكن باستهانتهم بدماء مواطنيهم وباستقرار وطنهم الصغير الذي لا يعني للأجنبي إلا نقطة ارتكاز لهجومه من أجل حماية مصالحه، ولو بسلامة لبنان، كياناً وشعباً… بطوائفه ومذاهبه وتكويناته السياسية جميعاً.

Exit mobile version