طلال سلمان

واشنطن بين ملك حسين امير عبدالله

نقل الملك حسين الأردن نهائياً من موقعه المفترض في »دول الطوق« العربية إلى موقع الحليف الاستراتيجي لإسرائيل، المشارك فعلياً وعملياً في تطويق آخر قلاع الصمود العربي في وجه مشروع التطرف الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو للهيمنة على »الشرق الأوسط« وصولاً إلى إيران وباكستان وربما مجموع الجمهوريات الإسلامية التي كانت ضمن الاتحاد السوفياتي سابقاً.
إنه في موقع هجومي الآن، تماماً مثله مثل نتنياهو: لم يعد معنياً بالدفاع عن اتفاقه المنفرد مع إسرائيل على حساب »شريكه« الفلسطيني، بل وقضية فلسطين كلها، كما على حساب سائر العرب، ولا سيما الذين ما زالوا يقاومون لحماية حقوقهم في أرضهم، وحماية حق الأجيال المقبلة في إنجاز ما عجز عنه الآباء، إن بسبب الظروف المحيطة أو بسبب من ضعفهم الذاتي.
وهو يفيد حالياً من التلطي تحت المظلة الأميركية التي تضفي بُعداً دولياً على التحالف التركي الإسرائيلي بقصد التخفيف من طبيعته كعدوان مباشر ومكشوف على سوريا ولبنان (والعراق طبعاً)،
كذلك، فهو يفيد من »الحملة التأديبية« الأميركية الموجهة ضد بعض »الأصدقاء التاريخيين« لواشنطن في المنطقة، والتي تتركز، هذه الأيام، على كل من القيادة المصرية والسلطة الفلسطينية، والتي تكاد تبلغ ذروتها في الضغط على هذين »الحليفين« السابقين إلى عقد اتفاقات منفردة مع إسرائيل، واللذين يدفعان غالياً ثمن الالتزام بها من طرف واحد… ويكفي استذكار مذبحة الأقصر، والتهديدات المباشرة التي وجهتها أولبرايت إلى عرفات، كأمثلة.
وبالتأكيد، فإن النظام الأردني يفيد من »الحملة النفسية« التي تشنها واشنطن على »أصدقائها« السعوديين، الذين رفضوا مجاراتها في سياستها التي تدعي أنها تحاول إضعاف جميع الأطراف لتسهيل العودة أو إعادة الروح إلى »العملية السلمية«.
ولعل أبرز عناوين هذه »الحملة النفسية«، المتجددة بعد فترة من الصمت، يتمثل في التقارير والكتابات والتصريحات الصادرة عن مسؤولين أو عن »خبراء« أميركيين، والتي تحاول إثارة الحساسيات الشخصية داخل الأسرة السعودية.
لقد انتقلت الحملة من التركيز بالهجوم على شخص ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز إلى التحريض عليه: فهو »لم يعد كما كان طوال عقود، رجل المستقبل، بل انه بات رجل الساعة«، وهو بات »يرفض بصورة متزايدة أن تتم الأعمال المهمة من دون أن تمر عبره أولاً… بل ان المراسلات المهمة لشركة النفط الوطنية أرامكو أصبحت تحمل توقيع ولي العهد«.
ذلك بعض ما تضمنه تقرير أعدته ووزعته »خدمة لوس انجلوس تايمز«، ونشرته قبل ثلاثة أيام صحيفة »هيرالد تريبيون« في صفحتها الأولى، وكأنه »حدث العام«.
في ذلك التقرير أيضاً ما يفيد بأن »التغييرات تبرز بصورة خاصة في مجال السياسة الاقتصادية، حيث يظهر تشدد غير مألوف سابقا ينتشر تأثيره على حلفاء المملكة«.
ويضرب التقرير الأمثال، فيذكر ان »الأمير عبد الله في سعيه لتحقيق توازن الموازنة يستعد لإلغاء عدد من صفقات الأسلحة والمعدات التكنولوجية الأميركية المتطورة التي تتدفق على السعودية منذ ربع قرن، ويبحث في استعادة مليارات الدولارات من عائدات النفط من الخزائن الأميركية«.
ثم ينتقل التقرير الى التحريض المباشر ضد الأمير عبد الله ومحاولة إثارة الملك فهد عليه، فيذكر بعد الإشارة الى اختلاف كل منهما عن الآخر أن ولي العهد كان يخشى في السابق اتخاذ قرارات تثير غضب الملك، وهو الذي »كان مسؤولاً عن تعزيز العلاقات الأميركية السعودية وربط المملكة أمنياً بالولايات المتحدة«.
ويخلص التقرير الى استكمال مضبطة الاتهام التحريضية ضد الأمير عبد الله بالتوكيد على تأييده للقومية العربية وعلى انه اكثر تمسكا بالتعاليم الاسلامية وأقل تسامحا حيال الأديان الاخرى، والعديد من مستشاريه المقربين هم من السوريين واللبنانيين، كما ان زوجته سورية… ثم انه »يؤيد بشدة الأمن المستند الى السلام الاقليمي حتى مع الخصوم الذين واجهوا السعودية لردح طويل من الزمن ايران «.
قد يبدو منطقيا ان تفضل ادارة اميركية ان يحكم البلاد العربية عموما »الضعفاء«، ولكن الحملة المتجددة تستهدف المواقف السعودية جميعا، والتي جاءت بمعظمها كرد فعل على التخلي الاميركي التدريجي عن »العملية السلمية« التي طالما اعتُبرت »كجائزة ترضية« للعرب بعد »عاصفة الصحراء«، وكإسناد للصمود العربي في وجه التطرف الاسرائيلي الذي مزق كل الاتفاقات المنفردة التي عقدها سلَفاه (رابين بيريز)، والذي جعل مؤتمر مدريد بكل ضماناته الاميركية اثرا من الماضي.
وواشنطن تعرف ان هذه المواقف السعودية انما اتخذها النظام كله، بالملك فهد وولي عهده وسائر اركان الاسرة، لكن الحملة تحاول استعداء الجميع على الامير عبد الله وكأنه ينفذ سياسته الشخصية، بالتضاد مع اخوانه.
وتتجلى المفارقة حين تعتمد واشنطن الملك حسين وكأنه يختزل في شخصه الاردن، ويقاسم القيادات الفلسطينية ولاء الشعب الفلسطيني، ويشكل رأس حربة لتيار »الخوارج« العرب المنحازين الى اسرائيل ضد أهلهم، في حين تحرض على ولي العهد السعودي (وعلى المملكة عموما) بسبب الالتزام بالحد الأدنى من الحقوق الوطنية والتاريخية العربية، ودعمهم للصامدين في وجه محاولة التطويع بالقوة التي يمارسها نتنياهو ضد العرب مجتمعين ومتفرقين، وبمن في ذلك النظام الاردني المتحالف معه الى حد التواطؤ على اهله العرب.
ولقد يبدو مفهوما ان تلجأ إدارة ضعيفة في واشنطن الى إضعاف مختلف أطراف الصراع لتظل الأقوى عليهم جميعا، بحيث تستطيع بالضغط عليهم مجتمعين، وعلى كل منهم بذاته، استنقاذ ما يمكن إنقاذه من »العملية السلمية« التي رعتها منذ ولادتها حتى مقتلها بغارات بيريز على قانا، ثم دفنها على يدي بنيامين نتنياهو في القدس كما في سائر ارجاء فلسطين.
لكن الذي يحدث ان الادارة الضعيفة في واشنطن تركز حملتها على »الأقوياء« من العرب لتُضعفهم، مضيفة بذلك المزيد من عناصر القوة على المستقوي عليها وعليهم، في تل أبيب.
وأول من يستفيد من هذه الحملة المتجددة على السعودية والسعوديين (بل والعرب) بشخص الامير عبد الله، هو بنيامين نتنياهو، وليس بيل كلينتون، خصوصا ان الحملة قد استهدفت الاسرة السعودية، والملك فهد بذاته أولا، وإن كانت اتخذت من الامير عبد الله العنوان.

Exit mobile version