طلال سلمان

سوريا تواجة حرب اميركية فاين حليفها لبناني

مُخجلة هي المقارنة بين ما يشغل القيادة السورية وبين ما يشغل حليفها الحاكم في لبنان، أو ما يُشغل به فيحرجه ويكاد يشلّه فيمنعه من لعب دوره المفترض، وطنياً وقومياً، ويكاد يحوّله إلى عبء بدل أن يكون عوناً مؤثراً في المواجهة القاسية التي تفرضها الإدارة الأميركية على دمشق، لحساب إسرائيل أرييل شارون وباسمها.
فأما القيادة السورية فتتصدى بشجاعة كاد يهجرها النظام العربي الرسمي ويتبرأ من »ذكرياتها« المكلفة، لتهديدات جدية ومباشرة تكاد أن تكون حرباً حقيقية لا ينقصها غير دوّي المدافع والصواريخ، وذلك من أجل حماية قرارها الوطني واستنقاذ ما يمكن استنقاذه من كرامة الموقف العربي، بل ومن المصالح العربية.
ويجيء في هذا السياق الرد القوي الذي أطلقه نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية فاروق الشرع، أمس، في دمشق، على مسلسل التهديدات الأميركية التي لا تفتأ تكررها إدارة جورج بوش، التي تنظر إلى نفسها وكأنها »إرادة إلهية«، والتي تريد من سوريا أن تلغي نفسها تماماً فتسكت عن الاحتلال الأميركي للعراق، وتغض طرفها عن المذبحة الإسرائيلية المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني، وتتولى بالنيابة عن إسرائيل ولحسابها تفكيك »حزب الله« في لبنان، فضلاً عن »المطالب« التعجيزية التي تكاد تصل إلى مطالبة نظامها بأن ينقلب على ذاته وإلا فرضت عليه العقوبات، بعد الحصار، تمهيداً لما هو أقسى وأعنف!
وأما حليفها الحاكم في لبنان فيبدو مثقلاً بخصوماته قليلاً، وبمن يعتبرون »من أهل بيته« كثيراً، لا يكاد يتخفف من حرج أو من خطأ تسبّبوا فيه حتى يغرقوه في خطيئة، كمثل »حرب بتغرين«، تعطل دوره الوطني القومي المفترض، وتستهلك من رصيده الذي يحتاجه لبنانياً وتحتاجه سوريا عربياً ودولياً، في لحظة الخطر هذه التي يعزّ فيها الحليف والنصير وحتى الصديق.
فما حصل في »بتغرين«، يوم أمس الأول، هو بدلالاته الفعلية، إطلاق للنار على مقام الرئاسة الأولى، قبل أن يكون اعتداءً فظاً ومستنكراً على بعض المعارضين، وهو إضعاف للحليف الوطني اللبناني لسوريا، لا تقدر عليه المعارضة ولعلها في كتلتها العظمى لا تطلبه، بما يحوّل هذا الحليف الوطني اللبناني إلى عبء عليها وعلى المعركة الشرسة التي تفرضها عليها الإدارة الأميركية باسم إسرائيل ولحسابها.
والحقيقة أن إدارة جورج بوش إنما بدأت هذه الحرب على سوريا منذ اليوم الأول لتسلمها السلطة في البيت الأبيض، وإن كانت قد تدرجت في تصعيدها حتى كادت تصل مع العدوان الأميركي على العراق، ومن ثم احتلاله، إلى حد التلويح باستخدام القوة المسلحة ضدها… بل لقد أقدمت على بعض الاستفزازات العسكرية على الحدود السورية مع العراق، لإحراج القيادة في دمشق وإخراجها، فإن هي صمتت قيل إنها خضعت، وإن هي ردت كانت كمن يمشي بقدميه إلى كمين أقامه مجنون مسلح بقوة لا يحتملها عاقل.
وبالتأكيد فإن هذه الإدارة المتصهينة ما كان يمكنها أن تمارس استعراض القوة هذا فوق الأرض العربية، وأن تقدم على احتلال واحد من أهم الأقطار العربية وأقواها لولا التواطؤ العربي الرسمي، ولولا التسهيلات العسكرية التي تبرّعت بها أكثر من دولة عربية، متخذة من طغيان صدام حسين الذي طالما دعمته وساندته وبرّرت له جرائمه السياسية الخطيرة ضد شعبه في الداخل وضد جيرانه في الخارج ذريعة علنية يمكن تسويقها.
على هذا كان لا بد أن يرتفع صوت عربي بالاعتراض، ولو تبدى مكلفاً. وكان الرئيس السوري بشار الأسد ذلك الصوت القوي. وها هو وزير خارجية سوريا فاروق الشرع يعيد التوكيد على الاعتراض الشامل على مجمل الشروط الأميركية التي تكاد تتقصد الإذلال العلني.
ومع أن الاعتراض موجه أساساً إلى الإدارة الأميركية، إلا أنه يأخذ في طريقه المواقف الرسمية العربية المتهالكة، محدداً أن »زمن القرارات العربية التي لا تنفذ قد انتهى«، وبأن »سوريا لن تقبل بأن تقوم دول عربية بفرض أوامر غيرها على بقية الدول العربية«.
وفي ما خص لبنان فقد كان طبيعياً أن يعيد الشرع التوكيد على الموقف الذي لا تبدل فيه ولا

تغيير: »لن نقبل بفصل عضوي (لمصلحة إسرائيل أولاً وأخيراً) بين سوريا ولبنان، ولن نتواطأ ولو بالصمت على »حزب الله« الذي كل تهمته أنه لا ينحني فيخضع للاشتراطات الإسرائيلية ولو بلسان أميركي«.
لم يسبق لهذا الدبلوماسي العريق أن استدرج أو استُفز فقال ما لا يريد قوله، أو ما يفترض أن الوضع القائم لا يحتمل فيه صراحة مطلقة، تجعله يسمي الأشياء بأسمائها… وبالتالي فكل كلمة قالها فاروق الشرع، وكل توصيف أعطاه هو تعبير دقيق عن حقيقة الموقف السوري في مواجهة حرب الضغوط الاميركية، لحساب اسرائيل، كما لحساب القوى المساندة لها داخل الادارة الاميركية والتي يتأكد يومياً انها صاحبة القرار في واشنطن بلا جدال.
»فهده الضغوط هي الاعنف على سوريا منذ… القرن السادس عشر!
وأي وعد تعطيه الولايات المتحدة تستطيع اسرائيل ان تلغيه،
ولم تحكم اميركا بإدارة في مثل هذه الحماقة والعنف،
والكونغرس الاميركي يفترض في نفسه انه مصدر الشرعية الدولية،
ولو كان قانون محاسبة سوريا صادراً عن »قوة إلهية« لكان اكثر تواضعاً، لان الله غفور رحيم، بينما الكونغرس لا يغفر ولا يرحم..«
لهذا كله، يرى الشرع ان »القلق مشروع والطموح كبير والإحباط ثقيل الوطأة« لكن التفاؤل مهمة وطنية«.
وإنها لمصادفة طيبة ان يكون الامين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، قد اعاد الاعتبار الى الموقف الوطني في لبنان، عبر خطابه في جبشيت يوم امس، لمناسبة ذكرى اختطاف الشيخ الاسير عبد الكريم عبيد، وهي »جريمة منظمة« نفذتها قوات الاحتلال الاسرائيلي، وما تزال قائمة حتى اللحظة..
لقد أكد قائد المقاومة، وبلسان المجاهدين، الموقف الوطني القومي نفسه الذي تلتزمه القيادة السورية: فبرغم كل المصاعب والضغوط »لن نصاب بالاحباط ولن نبكي«، كما قال مازحاً فاروق الشرع.
بقي ان يتدارك الحكم الاخطاء والكمائن التي يأخذه اليها »بعض اهل بيته« فيستنقذ نفسه، ويستنقذ دوره، ويحمي كرامة الموقف الوطني القومي الذي كان في اساس التزكية التي أهّلته لهذا الموقع الخطير، في هذا الظرف الدقيق لبنانياً وعربياً ودولياً.
إن »حرب بتغرين« قد تكون مصيرية وحاسمة بالنسبة لبعض وجاهات السياسة المحلية، ولكنها لا تعني فعلياً الا القاء ظلال من الارتباك على الموقف الوطني عموماً، وموقف الحكم خصوصاً.
واللحظة السياسية محلياً وعربياً لا تحتمل مثل هذا الترف البتغريني الذي تكررت ممارسته حتى كاد يخرق المحظور.
ولعل رئيس الجمهورية يردد في نفسه الآن: اللهم احمني من أصدقائي..
على ان الاكيد ان دمشق تحاول جاهدة الا تصل الى ساعة تردد فيها مثل هذه المقولة المقدسة!

Exit mobile version