ردَّ إسحق رابين الجميل لحسني مبارك، على الفور، فأطعمه هو الآخر من لحم مصر!
أليس ما يطلبه مبارك ويطمح إليه دور لمصر ونجاح لسياستها وقدر من النفوذ في »الشرق الأوسط الجديد«؟! حسنù، فليأخذ ملء راحتيه إذù، وعلى حساب مصر وفلسطين والأردن معù، وليس على حساب إسرائيل بالتأكيد.
فمع التقدير للبادرة الاستثنائية بأن يكون رابين أول رئيس وزراء إسرائيلي »ضيف الشرف« في إفطار رمضاني إلى مائدة رئيس جمهورية مصر العربية، فإن المحارب العجوز لا يمكن أن يتحوّل بمثل هذه الرشوة إلى »بابا نويل« مهمته توزيع الهدايا على العجائز والعاجزين!
لقد أخذ رابين فوق ما يتوقع وفوق ما يستحق، بل وفوق ما يجوز: أخذ أقصى ما يستطيع أن يعطيه هؤلاء البائسون الثلاثة، الصورة السابقة، ونال معها منحة إضافية على شكل »بيان مشترك«، هو أيضù سابقة وخرق جديد لتقاليد اللقاءات العربية الإسرائيلية،
الصورة »تاريخية« وكذلك »البيان المشترك«، ويكفي حسني مبارك فخرù أنه المضيف وأنه الوحيد القادر على التوقيع على بيانين متباينين في وقت واحد تقريبù، أولهما في الإسكندرية مع المتحفظين إلى حد رفض المعروض بالقوة، والثاني في القاهرة مع المطالبين بتنفيذ ذلك المرفوض بأي ثمن كان!
الصورة أفصح لسانù من البيان المشترك، وهي حمّالة أوجه أكثر من نصه المبتسر الذي لم يتضمن إلا تحديد الأعداء المشتركين للرباعي المسالم: أي أولئك الذين يستمرون في القتال، بكل وسيلة متاحة، وبينها العمليات الانتحارية كالتي تمّت في ناتانيا، من أجل حقهم في تقرير مصيرهم فوق أرضهم، وقبل ذلك من أجل البقاء في أرضهم.
أما البيان فقد كشف عجز الثلاثة عن انتزاع »ترضية ما« من رابين: فإغلاق الضفة وغزة مستمر، والاستيطان مستمر، والتمسّك بالتفرّد في امتلاك السلاح النووي مستمر، ومطالبة عرفات باستئصال المعارضين داخل فلسطين المحتلة مستمر!
ذلك أن الثلاثة كانوا يطلبون من رابين ما لا يملك أن يعطيه، في حين أنهم تبرّعوا بأن يعطوه فوق ما يطلب، ربما لأنهم ينظرون إليه على أنه الأمل المرتجى: بيده أن ينقذهم أو يزيد من حدة الأزمات التي تعصف بعروشهم… مع أنه أعظمهم خوفù من داخله، لأن ثمة خلفه مَن يحاسبه ومَن يتربّص به ليخلعه (ديموقراطيù!.)، وهو يداري بهم (وبالصورة أساسù) هشاشة موقعه ويحاول جاهدù إنقاذ زعامته وحزبه وحكومته المترنّحة!
لقد فرَضَ البؤساء الثلاثة على رابين أن يعيد توكيد الالتزام بأن يحترم وينفّذ بالكامل الاتفاقات التاريخية، نصù وروحù!! وهم يقصدون على وجه الخصوص ما يتصل بالحكم الذاتي وسلطة رئيس الشرطة في غزة المتفجرة،
لكن عرفات يريد أكثر من ذلك بكثير: إنه يريد المال وهامشù معقولاً من السلطة ليصدّق الناس أنه »الرئيس«، ويريد بعض الأرض، وشيئù من الشرعية »الفلسطينية« المفتقدة، ولو عبر انتخابات معروفة النتائج سلفù،
ولقد حصل على وعد وموعد: وعد بأن تدرس حالته الدقيقة بعناية مركّزة، وموعد الخميس المقبل لاستئناف التفاوض على المفاوضات من أجل تنفيذ ما انتهى إليه التفاوض على المفاوضات في مفاوضات سابقة.
أما الملك حسين فيكفيه أن يكون واحدù من أربعة في الصورة. لم يعد وحده، ولم يعد محاصرù بسلامه المتناقض مع السلام الفلسطيني والخارج على السلام المصري والمحارب ضد السلام السوري!
وأما حسني مبارك فقد أنجز: لقد حوَّل السلام الإسرائيلي إلى مؤسسة عربية،
فقمة القاهرة قابلة للتكرار، وربما انعقدت مستقبلاً في المبنى الأبيض ذي الطراز الإسلامي والمقام على أنقاض إحدى ثكنات الاحتلال البريطاني (القديم) على النيل: جامعة الدول العربية، والتي ما تزال تحمل شعارها المنسي »كنتم خير أمة أخرجت للناس«.
ومؤلمة هي التداعيات المتداخلة مع الذكريات… لقد اختلف الزمان بحيث بات ينكر أهله. وشتان ما بين العاشر من رمضان (1973) والثاني من رمضان (1995): ها هو القاهر المكلَّل بالانتصارات السياسية، بعد العسكرية، يجالس ويؤاكل في القاهرة فلول المهزومين أمامه والمنسحبين من ميدان الشرف إلى تيه السلام، وقد توّهموا أنه سيمطرهم ذهبù ومكانة، فإذا به يسلبهم ما كانوا قد ادخروه لآخرتهم…
لكن رابين كريم جدù: فها هو يطعم حسني مبارك من لحم مصر، ويطعم عرفات من لحم فلسطين، ويطعم الأردن أيضù من لحم فلسطين، ثم يأكل هو اللحم جميعù!
وعلى سوريا ولبنان أن يعيشا على »الأمل في تحقيق اتفاق سلام«، بعد أن يطمئن رابين إلى دوام سلامه في المثلث المتداعي… فوق القمة!