طلال سلمان

رحلة عربية مرتجلة الى عنوان خطا هدف خطيئة

أظهرت إسرائيل، أمس، مرة أخرى مدى تهيبها حتى لا نقول خوفها من التظاهرة العربية التي جاءت بيروت عبر المؤتمر الطارئ لوزراء الخارجية العرب فيها، بعنوان دعم لبنان، ولكنها حين وصلت إلى نيويورك غيرت موضوعها إلى التحذير من الإرهاب والحرب الأهلية في لبنان… ونسيت الحرب الإسرائيلية التي تكاد تدمر مقوماته والتي تتصاعد شراسة وعنفاً منذ ثمانية وعشرين يوماً بلا توقف.
ولولا شيء من احترام الذات والتشرف بالانتماء العربي، لطلبنا من السادة وزراء الخارجية العرب ان يرتاحوا ويريحوا، ولتمنينا على ملك السعودية ان يجنب الحرمين الشريفين ومكة المكرمة ان تكون شاهداً وشهيداً على هزيمة عربية ذاتية، أو عملية انتحار عربية جماعية في قمة عنوانها لبناني ومضمونها استرضاء إسرائيل بدماء اللبنانيين وبالتعهد على القضاء على روح المقاومة بامتداد الأرض العربية..
لقد كان المشهد في مجلس الأمن مخجلاً، ان لم نقل انه كان مهيناً.
لم يتصرف الوفد العربي، بلسانه القطري، و الشاهد الاماراتي الذي أمضى الوقت مبهوراً بما يسمعه ويراه، في البيت الزجاجي المسحور، والأمين العام لجامعة الدول العربية الذي تبدى كأنه غير ذي صفة، بما يليق بكرامة الدم المسفوح في لبنان، وكرامة المقاومة الباسلة التي تربك إسرائيل وتكشف عجزها عن تحقيق نصر، ولو محدود.. وبالاستطراد فإن هذا الوفد الثلاثي لم يتصرف بما يليق بالأمة التي يفترض انه يمثلها، والتي ترفض الهزيمة وما تزال مؤهلة لأن تقاتل لاستخلاص حقوقها.
لقد تبدى الوفد العربي، عبر رحلته المرتجلة التي توجهت إلى العنوان الخطأ، كأنه شاهد زور على قضية لا يؤمن بها… ولذا تمكن المندوب الإسرائيلي الذي تصرف كأنه يستقبلهم على أرضه من الفوز بالنقاط عليه، حين حرك فيهم مواجعهم (داخل اقطارهم) وكشف انهم ليسوا اصحاب قضية، وانهم يحاولون التنصل ليس فقط من حق سيادة لبنان على أرضه، بل كذلك من دماء الشهداء الذين شرفوا أمتهم بقتالهم المجيد، وتحدوا بنجاح يفوق أي توقع أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يهزم..
لو ان المحاولة العربية جدية لكان المؤتمر قد أوفد أركانه من أهل النفط والحل والربط والنطق الفصيح إلى واشنطن وليس إلى نيويورك، ولكانوا ذهبوا ليؤكدوا وحدتهم في الموقف مع لبنان ومقاومته التي تقاتل في أرضه ومن أجل حماية أرضه وإنسانه، وانهم يعتبرون هذه الحرب الإسرائيلية حرباً عليهم جميعاً، وانهم لن يستطيعوا ان يبقوا خارجها، يدعون الحياد، في حين ان إسرائيل تتصرف في مواجهتهم كأنهم حلفاء لها، وتكاد تقول انها إنما تقاتل معركتهم التي يتخوفون من خوضها مباشرة.
انه دمهم هذا الذي يسيل في المدن والقرى والدساكر وتنزفه

بيروت بضواحيها وعلى الطرقات في لبنان. انها جثث أطفالهم هذه التي تصل إليهم صورهم محروقة ومقطعة الاوصال. انهم فتيانهم هؤلاء الذين يقضون تحت ركام منازلهم المقصوفة بعد منتصف الليل وهم نيام!
لقد كانت الرحلة المرتجلة لهذا الوفد العربي مسيئة إلى كرامة العرب، وكشفت ان مواقف الدول العربية أسوأ من أي توقع، وانها تخاف من صمود المقاومة أكثر مما تخاف من انتصار إسرائيل عليها..
ويؤسفنا ان نقول انه إذا كان هذا هو أقصى ما يستطيع ان تقدمه الحكومات العربية للبنان فلتتفضل مشكورة باعلان حيادها ولتوقف مساعيها الحميدة حتى لا تؤخذ بشبهة الانحياز إلى العدو.
ومؤكد ان شعوب هذه الأنظمة ستحاسبها على هذه المخادعة، فهي لا تكتفي بادعاء مناصرة لبنان بينما هي تتنكر لمقاومته، بل انها تجامل إسرائيل و تنبهها إلى المخاطر وتستجديها حلاً لا تملك ان تعطيه لأنها لما تكسب الحرب ولا يبدو انها ستكسبها، أقله بشروطها.
ومؤكد أيضاً، ولو انه مؤسف ومحزن ومخزٍ، ان موقف النفاق العربي هذا كان بين مرتكزات القرار الذي اتخذته وزارة الحرب الإسرائيلية بتوسيع نطاق حربها على لبنان، والذي سوف يزيد من حجم الخراب ومن فداحة الخسائر البشرية، ولكنه لن يؤثر على النتيجة النهائية لهذه الحرب..
نقول هذا مع تمسكنا بالأمل بأن تتنبه القيادات العربية إلى خطورة تنازلاتها التي لن تفيد لبنان في معركته ولسوف تكون سبباً إضافياً لغضبة شعوبها عليها.
… ثم انها ستخسر موقعها لدى الإدارة الأميركية، إذ سيتكشف عجزها عن اجبار لبنان على التسليم بهزيمة لم تقع، بل فشل جيش الدفاع الجبار عن تحقيقها، بينما ستدينها شعوبها بالانحياز إلى العدو القومي ، عدو جميع العرب، ضد الأغلى والأكرم من بين شعوب هذه الأمة: لبنان.

FacebookTwitterEmailWhatsAppShare
Exit mobile version