في اللحظة المناسبة تماماً، أطلق »حزب الله« الدعوة المبادرة إلى مصالحة الحركات الإسلامية مع مجتمعاتها، ومن ضمنها الحكومات التي ينبغي عليها هي الأخرى أن تصالح شعوبها، وأن تعيد تنظيم أولوياتها في مواجهة المشروع الصهيوني.
ليس أجدر من حسن نصر الله، المجلبب بشهادة بكره والمعزز بالتجربة الغنية ل»حزب الله« في المقاومة، بإطلاق مثل هذه الدعوة التي تعبّر عن ارتقاء في مستوى الوعي السياسي وتطهُّر من النرجسية التنظيمية وتنبّه إلى فداحة الأخطاء التي تُرتكب أو تُنسب إلى الحركات الإسلامية في الوطن العربي خاصة، وعلى امتداد الكون بعامة.
بل ان الأمين العام لهذا الحزب الذي لم يعد يجادل أحد في خطورة الدور الذي يلعبه، لبنانياً وعربياً ودولياً إلى حد ما، من موقع »الند« للعدو الإسرائيلي، يكاد يكون القائد الوحيد المؤهل لأن يطلق مثل هذه الدعوة للمصالحة بين »الوطني« و»القومي« و»الإسلامي«، بين »الشعبي« و»الرسمي« على قاعدة التصدي المشترك للمخاطر المصيرية التي تتهدد مستقبلنا فوق أرضنا.
وفي حين يتسم الكثير من أدبيات معظم الحركات الإسلامية بنَفَس انقسامي واستعلائي ينطلق من ادعاء احتكار الإيمان، أحياناً، أو من التباهي بنسبة الذات إلى منجزات الأسلاف، فإن حسن نصر الله يدعو وهو يشيِّع بكره هادي »حزب الله« إلى المزيد من التواضع والحب والانفتاح على الآخرين.
لقد اكتشف حسن نصر الله وعبر تجربته الشخصية كم أن القدوة الحسنة تجتذب الناس، وكم أن المثل الصالح يصل برسالته إلى أعماق الضمائر، متخطياً حواجز الطوائف والمذاهب وعصبيات الجهات والمناطق.
لقد جاءه لبنان كله ليشد على يديه وليشهد له ولنهج »حزب الله«،
كذلك جاءه، مباشرة أو بالواسطة، معظم العرب والمسلمين، ليقروا بأنهم ومنذ زمن بعيد لم يعرفوا في قياداتهم مثل هذا الإخلاص المشفوع بالوعي، ومثل هذا الإيمان الراسخ بالقضية، أي قضية، ومثل هذه الشجاعة في مواجهة العدو العاتي المتلازمة مع معرفة دقيقة وتفصيلية بهذا العدو ونقاط ضعفه التي لا يمكن أن يخفيها تفوقه العسكري المطلق.
لهذا كله يكتسب كلام حسن نصر الله صدقية ليست لغيره، مما يفسح في المجال للافتراض بأن »الناس الطبيعيين« لسوف يسمعونه ولسوف يحترمون منطقه ويطالبون الجهات المعنية، حكومات أو »حركات إسلامية« بأن يسمعوه ويحترموا إخلاصه الذي لا يحتاج إلى إثبات؛
»على كل حركة إسلامية أن تعي مسؤوليتها العالمية الكبيرة والخطيرة، وأن تبذل الجهد على حساب أعصابها ودمها، وأن تضحي من أجل أن تقدم تجربة الحركة الإسلامية بشكل مشرق للعالم، ولا تساهم عن وعي أو عن غير وعي، عن قصد أو عن غير قصد في الإساءة إلى الإسلام الإلهي«.
وإذا كان حسن نصر الله قد ركّز، بعد لبنان مباشرة، على فلسطين، فإن صدى هذه الدعوة سيتردد عالياً في أربع رياح الأرض العربية، مغرباً ومشرقاً: في مصر التي أساء مَن يسمون »الإسلاميين« إلى صورتها كثيراً، إلى السودان حيث يكاد يضيِّع التشدد المدعى وغير المبرّر الدولة والكيان ووحدة الشعب، إلى الجزائر التي اغتال مَن ينسبون أنفسهم أو يُنسبُّون زوراً وتزويراً إلى الإسلام تاريخ نضالها المشرف وأهدروا رصيدها العربي والإسلامي والدولي العظيم، وحوّلوها إلى »مسلخ« يذبح فيه شعبها المجاهد ولا قضية غير السلطة وغير تمكين الأجنبي من الوصول إلى مصادر ثرائها العديدة والهائلة إلخ..
وانها لمفارقة مؤلمة أن يتردد صدى مثل هذه الدعوة للمصالحة بين الحركات الإسلامية والدولة، خاصة، والمجتمع عامة، بينما تتردد في جنبات العاصمة الثانية طرابلس أصداء الرصاص في صدام كان يمكن وكان لا بد من تجنّبه بين طرف إسلامي وبين قوى السلطة،
أما المفارقة الأشد إيلاماً فهي أن يرافق مثل هذه الدعوة الصادرة عن أهل تنظيم »إسلامي« يقاتل في لبنان من أجل لبنان وفلسطين وقدسها الشريف، إقدام عرفات في غزة على فتح أكبر السجون الفلسطينية ليثبت انه ما زال يحتجز الناشطين »الإسلاميين« في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي بأجسادهم، لتعذر حصولهم على السلاح الكافي والفعال.
ولعل أهم ما في دعوة حسن نصر الله هو هذا الربط البديهي بين التنمية والتحرير، خصوصاً في مجال الرد على العدو الذي يربط بين الاحتلال والإعمار في لبنان فيهدد بضرب المنشآت والبنى التحتية فيه رداً على مقاومة المجاهدين من أبنائه.
وليس أمراً تفصيلياً أن يستشهد الأمين العام ل»حزب الله« بأقوال قائد الجيش في عربصاليم، ليخلص الى التأكيد على أن بناء المجتمع المقاوم هو مسؤولية الجميع، الدولة بكل مؤسساتها، والشعب بقواه الحية جميعاً،
كذلك ليس أمراً تفصيلياً أن يشير نصر الله إلى وحدة المعركة ووحدة الأداة النضالية مؤكداً »اننا وإخواننا المجاهدين في فلسطين قادرون أيضاً على أن نوصل الكيان الإسرائيلي إلى مرحلة لا سياحة ولا اقتصاد ولا منشآت..«.
على أن الاستنتاج الذي خلص إليه حسن نصر الله وتوَّج به دعوته يظل واحدة من نقاط الصح التي يمكن البناء عليها، ومفادها: »في إسرائيل يتململون أما نحن فنتماسك، هناك ينقسمون ويتجادلون ونحن نتلاحم أكثر فأكثر… لا نلتقي في الاحتفال فقط، بل لقد التقى (المقاوم) هادي و(الملازم أول) جواد عازار في رياض الشهادة من أجل لبنان«…
وهكذا بات منطقياً أن يرحب نصر الله بالكلام الذي سمعناه جميعاً من أهل الحكم بأننا إنما »نبني في لبنان من أجل لبنان، وليس على أساس شرق أوسطي أو نظام إقليمي«.
* * *
قد يبدو مستغرباً أن يقدِّم لبنان، وعبر التجربة الغنية والمكلفة، الصورة الأكثر إشراقاً لنموذج يقتدى من الإسلام السياسي.
لكن هذه التجربة تفرض نفسها الآن باعتبارها الحد الفاصل بين »إسلامات« تضل طريقها أو تضلَّل أو تزوّر، وبين »إسلام« يشكّل حافزاً إيمانياً عظيماً لاستخلاص الحقوق المضيّعة، إن على مستوى الأمة والوطن، أو على مستوى الفرد، وبوعي حقيقي لحقائق العصر ووتيرة التقدم المذهلة التي تجتاحه وتنقله إلى مستوى الأحلام الإنسانية.
ومثل هذا الإسلام المرتبط بالأرض والإنسان قابل للحياة، بل يكاد يكون ضرورة للحياة في هذه اللحظة السياسية المحكومة بقوانين الصراع مع قوى الهيمنة العالمية العاتية، وإسرائيل من بينها، طالما ظل متصلاً ومعبراً عن تطلّع الإنسان إلى تحقيق ذاته فوق أرضه وبمعايير العصر، وليس بمنطق الأسلاف الصالحين منهم والطالحين.
* * *
لم يستطع مجلس جامعة الدول العربية، بعد مائة وثماني دورات، أن يصالح الحكومات العربية مع شعوبها، ولم يستطع أن يوحّد مواقفها من القضية الواحدة ومن العدو الواحد، ولا هو استطاع أن يُخرج نفسه من الإطار الذي يحاصره فيه التطرف الإسرائيلي والتخلي الأميركي، فإذا قراره معطل »بالحل الوسط« الذي لا يعني غير العجز عن اتخاذ القرار المطلوب.
في العادة، نحمد الله على مثل هذه النتيجة، فهي أفضل طبعاً من الاندفاع في الطريق الخطأ، أو تزكية القرار الخاطئ، أو ممارسة »المسؤولية الجماعية« بتبرير الانحرافات الفردية بذريعة »الحقوق السيادية«.
أما اليوم فيبدو صعباً قبول منطق يتشدد في ادعاء السيادة بينما هو يلغي الوطن والأمة، أي المواطن والأرض والحقوق المشروعة.
ومعركة »مؤتمر الدوحة« ما تزال مفتوحة، وهي قد تكون إحدى الجبهات الجديدة لمواجهات المستقبل بين الحكومات وشعوبها، طالما تسعى بعض الحكومات إلى مصالحة العدو، بأي ثمن، وترفض مصالحة شعوبها… بأي ثمن.
والكلام في بيروت سيكون له صداه خارجها، بالتأكيد… خصوصاً وأن وهجه الدموي يخطف الأبصار.