لا تحتاج دولة عظمى في مثل قوة الولايات المتحدة الأميركية إلى إيفاد رسول برتبة وزير خارجيتها ل»تهديد« دولتين صغيرتين نسبياً، مثل سوريا ولبنان، ب»عدم التدخل« في شؤون »الغير«، كمثل عراق ما بعد الاحتلال الأميركي، أو مثل فلسطين الممزقة بمدافع الاحتلال الإسرائيلي وغطائه الأميركي المنيع.
ومَن نظر إلى كولن باول على أنه »حامل تهديد«، ورفع عقيرته متباهياً باستنتاجه هذا ليحرّض على المعترضين على مشروع الهيمنة الأميركية الإسرائيلية على المنطقة، إنما كان »يهين« الوزير الأميركي، ويعظّم من شأن موقف سوريا ولبنان، في حين أنه كان يقصد التشهير بهذا الموقف جلاّب المخاطر.
مثل هذا »التهديد« لا يحتاج إلى مَن يحمله لينقله إلى الغير… فنتائج الاجتياح الأميركي للعراق أخطر من أن يتعامى أحد عن تداعياتها الهائلة، وانعكاساتها غير المحدودة على حاضر منطقتنا العربية ومستقبلها الذي يصعب الآن التكهّن بصورته..
ثم إن تكليف الجنرال المنتصر في حرب »عاصفة الصحراء« على العراق سنة 1991، والمناطة به الآن حماية النصر العسكري على النظام العراقي 2003، بنقل مثل هذا »التهديد« إلى بلدين صغيرين بالذات، هو »تكريم« لكل من سوريا ولبنان وموقفهما المتميّز عن مواقف »القطيع« العربي الذي »ما قال لا قط إلا في تشهده..«!
في أي حال فإن هذا الموقف المميّز لهاتين الدولتين الصغيرتين قد استدعى من الاحترام ما قضى بأن يُوفَد إليهما رئيس الدبلوماسية الأميركية لكي يشرح لهما ما طرأ على المنطقة (والعالم) من تحولات استراتيجية، طالباً إليهما أن يتصرفا وفقاً لمنطق هذه التحولات، حتى لا يسوء الأمر بحيث يتولاه رامسفيلد وبطانته الصهيونية في البنتاغون الذين أغراهم »النصر المجاني« الذي تحقق لهم بأفضال النظام العراقي الساقط، و»المتعاونين« العرب فأثار شهيتهم إلى مزيد من الانتصارات العسكرية في هذه الأرض العربية التي تكاد تكون مفتوحة!
* * *
من المنطقي أن توصف مهمة كولن باول بأنها تكاد تكون »إسرائيلية« أكثر منها »أميركية«… فلا خطر أقله في المدى المنظور على الاحتلال الأميركي للعراق مصدره سوريا أو لبنان.
وهو قد أعلن من قبل أن يتوجه إلى المنطقة، ثم وهو فيها، أن مهمته إنما تتصل ب»خريطة الطريق« الفلسطينية العنوان، في ضوء النتائج الاستراتيجية للاحتلال الأميركي للعراق.
لم يكن العرب طرفاً في تلك الحرب، إلا من موقع الضحية.
كانت أرض بعض دولهم مجرد قواعد لانطلاق الطائرات والصواريخ والجيوش الغازية.. ولم يكن العدوان الأميركي بحاجة إلى تغطيتهم السياسية، فواشنطن التي تحدت الشرعية الدولية و»قهرت« حلفاءها التاريخيين في »أوروبا القديمة«، و»أصدقاءها الجدد« في روسيا والصين، لم تكن مستعدة لمجاملة بعض شيوخ النفط الذين تزاحموا على بابها طلباً لرضاها وقبول أرضهم قواعد لعدوانها على »أخيهم« الشارد!
كان العديد من الأنظمة العربية متواطئاً، ولكن لم يكن بينها »شريك« واحد!
وبقرار واعٍ ومدروس تماماً زار كولن باول »مواقع الاعتراض« القليلة، ولو من حيث المبدأ، وبحكم الترابط المصيري، على العدوان الذي انتهى باحتلال العراق.
لكأنه يريد أن يلغي سلفاً احتمال الاعتراض على ما بعد احتلال العراق من نتائج وتداعيات سياسية لا بد ستصيب المنطقة جميعاً.
وأخطر التداعيات ستنعكس حكماً على الجرح الفلسطيني المفتوح.
بين هذه التداعيات أن تصبح »خريطة الطريق« حلماً لا يطاله الواقع الفلسطيني، و»هزيمة« لا يمكن أن تقبلها إسرائيل، التي تنظر إلى نفسها شريكاً كامل الحقوق في النصر الأميركي على العراق، فهي كانت في التحريض وفي التخطيط وفي ميدان التنفيذ، ولو بحدود…
على هذا فإن موقع الاعتراض على خريطة الطريق هو »حق حصري« لإسرائيل، والأرجح أن يتمثل بتعديلات جوهرية تفرغ هذه الخريطة من الحد الأدنى المتضمن فيها ولو بشروط مذلّة من حقوق »الجالية« الفلسطينية في أقل القليل من أرضها التاريخية..
بهذا المعنى يكون للموقف العربي المعترض ولو بهدوء على الاحتلال الأميركي للعراق مردود فلسطيني، وهذا ممنوع: لإسرائيل وحدها حق الاعتراض هنا، لأنها »الشريك« هناك وفي »الاستراتيجية الجديدة« للمنطقة.
بعد العراق لم تعد الإدارة الأميركية معنية بأن تتعامل مع »العرب« مع الحرص على تمييز نفسها عن إسرائيل… انفك عقد »العرب«، صار بعضهم »أميركياً بالمطلق« واندفع بعضهم في محاولة خائبة لأن يكون »إسرائيليا«.
وليست إسرائيل، الآن، قوة منفصلة عن الخطة الأميركية للمنطقة. إنها ضمنها! مع أن كثيراً من شواهد الضغط تقدم الإدارة الأميركية وكأنها ضمن إسرائيل شارون!
* * *
لماذا سوريا ولبنان فقط؟!
إن هذا الاستثناء يضفي على الزيارة شبهة المهمة الإسرائيلية،
كما أنه يضفي على مواقف الأطراف العربية الأخرى التي ستشملها جولة باول (الكاملة) بعد أسبوع شبهة الموافقة المسبقة على »المهمة الإسرائيلية« لوزير الخارجية الأميركية في دمشق وبيروت.
وليس سراً أن العديد من الأنظمة العربية كان يحرّض الولايات المتحدة (بل وإسرائيل) على سوريا ولبنان.
وهذه الأنظمة أكثر ما تكون »سعادة« الآن وهي تسمع المطالب الأميركية (الإسرائيلية) الموجهة إلى دمشق وبيروت، سواء ما يتصل منها بالعلاقات المشتركة بين البلدين الشقيقين، أو ما يتصل بالمنظمات الفلسطينية المجاهدة، وصولاً إلى دور »حزب الله« كقوة مقاومة، انتهاء بتأمين حدود فلسطين المحتلة بالجيش اللبناني.
لقد تبنّت واشنطن، أخيراً، مطالب أنظمة الاستسلام والتحريض على احتلال كل قطر عربي قد يفكّر بالاعتراض على العصر الأميركي، وهو في منطقتنا »إسرائيلي«!
وها هي واشنطن تطلب، بلسان كولن باول من سوريا أن تنسحب من العراق أولاً، ثم من لبنان، ونهائياً من فلسطين، ومن الصراع العربي الإسرائيلي.
.. وتطلب من لبنان أن ينسحب من جلده، وأن يقتل كل مقاوم في شعبه، وأن يتولى حراسة إسرائيل مباشرة، »على حدودها«، ثم بشكل غير مباشر وعبر منع التنفس على الثلاثمئة ألف لاجئ فلسطيني الذين طردهم الاحتلال الإسرائيلي قبل خمسة وخمسين عاماً فلجأوا إليه..
ولم يتبق غير أن تطلب واشنطن من سوريا ولبنان أن ينسحبا من جامعة الدول العربية، على غرار ما فعلت بعض دول الخليج، وما تعتزم أن تفعل أقطار أخرى أثقل وزناً!
* * *
أمر العمليات واضح إذاً:
على العرب أن يتولوا »حماية« الاحتلال الأميركي للعراق (وما جاوره من الأرض العربية).
.. وعليهم، أيضاً، أن يتولوا »حماية« الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وأن يتقبّلوا كل التعديلات الإسرائيلية المقترحة على »خريطة الطريق« والتي تجعلها »بوليصة تأمين« للاحتلال وليست بدايات طريق إلى الدولة الفلسطينية العتيدة.
والعاصفة أقوى من أن تواجه في عينها مباشرة، اليوم.
وليس خطأ أن يترك للاحتلال الإسرائيلي أمر إفشال »خريطة الطريق«.
ولا هو خطأ أن يترك للاحتلال الأميركي أمر استيلاد مقاومته الشعبية في العراق..
فالاحتلال يستولد مقاومته بالضرورة.
وإذا لم تنبت المقاومة في أرضها فلا جدوى من التحريض بالصوت العالي من البعيد..
وبعد أن تقول فلسطين كلمتها، والعراق كلمته، يكون حديث آخر، مع كولن باول أو من دونه.