طلال سلمان

من ذي يختنق غزة او اوسلو

في العدد الجديد من مجلة »فلسطين المسلمة« (النصف الأول من نيسان) القريبة من »حماس«، مقال للدكتور محمود الزهار ينضح بذلك النوع من الطرافة السوداء، حين يعطي الكاتب فيه انطباعا انه يكاد يترحّم على الوضع في قطاع غزة قبل قيام السلطة الفلسطينية عليه..
ويتحدث الكاتب عن انقسام »الشارع الفلسطيني« إلى »أطياف ثلاثة«.. »الأول هو الذي اندفع بكل قوة.. رافعù أغصان الزيتون على سيارات الاحتلال يعانق جنود الظلم… والثاني ضمّ الإسلاميين بصورة رئيسية… ينظرون إلى فلسطين كل فلسطين أرض وقف إسلامية لا يملك جيلهم أو جيل قبلهم أو بعدهم أن يتنازل عن شبر منها… أما الجيل الثالث فهو غير محدَّد المعالم ولكنه يضم الكثير من المواقف المتناقضة.. فبينما يؤمنون، بعضهم على الأقل بالإسلام وسفينته إلا أن ضغط الحاجة يدفعهم إلى التفهّم أو الأمل المجهول«..
هذه هي غزة التي أتاها، أمس، التقني الأول للمفاوضات العربية الإسرائيلية بكل مساراتها منذ مؤتمر مدريد، دنيس روس، في »استراحة« عند الملف الفلسطيني خلال سعيه لفكفكة العقد العملية الدقيقة على المسار السوري الاسرائيلي.
إنها غزة المنقسمة إذù على مستوى »الشارع الفلسطيني« حسب الكاتب الكادر المعروف في حركة »حماس«..
وغزة تبدو للمراقب من عاصمة عربية أخرى، أو حتى من أي مكان في الخارج، أشبه بسجن كبير يضيق، ليس فقط على الخيارات السياسية المتنوعة لقواه، بل على طبقاته وشرائحه الاجتماعية كلها.. من أبناء القطاع الأصليين إلى مخيمات »اللاجئين« من أرض ال48، الى الكادرات المنتقلة إليه من الخارج وبعضها الآتي من لبنان حاملاً كل ذاكرة الحرب الأهلية!
إنها غزة »المحشورة« إيديولوجيù وسياسيù واقتصاديù التي تتعمَّد إسرائيل خنقها… بما فيه خنق السلطة الفلسطينية نفسها.. غزة التي تُرمى عليها كل أثقال المناطق الفلسطينية المحتلة، فترد بمحاولة الخروج من الأسر عبر السعي للانتشار إلى الضفة: »السلطة« التي تجهد لتطبيق الحكم الذاتي على أي شبر من الضفة، ومعارضو السلطة الإسلاميون الذين يعبرون عن هذا »الانتشار« بعمليات داخل الأراضي المحتلة.. بل داخل إسرائيل نفسها.
كل شيء في غزة المحشورة أو صبرا الجديدة كما يتذكّر اللبنانيون يوحي بإمكان اشتعال الحرب الأهلية.. التي لم تشتعل حتى الآن بسبب بقايا التقاليد الناضجة للوحدة الوطنية الفلسطينية منذ السبعينيات.. التقاليد التي تحاول »حماس« أن ترثها بنجاح نسبي حتى الآن.
لكن إذا لم تكن »الحرب الأهلية« قد اشتعلت، فما اسم هذا الذي يحدث في غزة.. اعتقالات تارة، اغتيالات تارة أخرى، ضحايا رصاص طائش تارة ثالثة، عمليات استخباراتية إسرائيلية تارة رابعة، صدامات مباشرة بين الشرطة ومسلحين من المعارضة تارة خامسة.. ضحايا من كل الاتجاهات.. واستنفارات شعبية من كل الاتجاهات؟.
هل هي »الحرب الأهلية الباردة«… تيمنù بمفهوم »الحرب الباردة« التي تقع فيها المواجهات من دون أن تقع الحرب المباشرة؟
غزة تختنق.. بسلطتها الفلسطينية وبإسلامييها وبأحزابها وسكانها المدنيين.. وليس أكيدù أن »أوسلو« هو الذي يختنق؟! إذا جاز الفصل تبعù لتجربة الرئيس أنور السادات بين مصير الذين يوقعون على الحل.. وبين الحل نفسه..

Exit mobile version