الساعة سويسرية والتوقيت عربي والزمان أميركي..
والساعة تحكم المواعيد وتلزم الرئيسين الآتيين من عالمين مختلفين ومن عصرين مختلفين بأن ينجحا. الفشل كالعداوة لا يحتاج إلى لقاء قمة، بل يكون بين أسبابه انعدام القدرة أو انعدم الرغبة في الوصول إلى القمة، أو ربما السعي للتفرد بالسهل والسفح والجبل والقمة معاً.
عند العاشرة صباحاً (بالتوقيت السويسري) من صباح ذلك الأحد الأوروبي المقبض للنفس 160 كانون الثاني 1993 كانا عند بابين من الأبواب الثلاثة لقاعة الأمم التي طالما شهدت لقاءات بين مختلفين يسعون إلى اتفاق لا مجال لتفاديه. وقف الرئيس الأميركي بيل كلينتون عند “بابه” لدقيقة أو أكثر قليلاً. انتظر “شريكه” في اللقاء، وفي عينيه الكثير من الفضول لأن يرى أخيراً “الداهية” الذي سمع عنه كثيراً وقرأ عنه أكثر.
من يخطو الخطوة الأولى؟ من يتقدم في اتجاه الآخر؟
الشكاليات تغدو أساسية في بعض الحالات، لكن “رمز التغيير” في هذا “القرن الأميركي” على حد وصف سلفه جورج بوش الذي ربح الحروب وحسر الرئاسة، لا يتوقف طويلاً عند الشكل، وعندما هم بأن يبادر انتبه إلى أن “الداهية” قد سبقه إلى الخطوة الأولى نحو “الزمان الثالث” وعالم اللغة المشتركة. تقدما مبتسمين بشيء من الحذر، فتقابلا، وفق المرسوم، في منتصف المسافة، منتصف القاعة، منتصف الطريق بين القائم والمرجعو، بين اليوم والغد بصورته المفترضة، تصافحا، شد كل منهما على يمنى الآخر، وأطالا المصافحة لكي يسجلها من ضاقت أمامه مساحة الرؤية أو كان عليه أن يضبط فتحة العدسة. كانا أيضاً يحاولان كسر برودة اللقاء الأول بين الآتين إليه من بعد متساو.
في المجاملة يتفوق “الشرقي”، وهكذا أطلق الرئيس السوري حافظ الأسد السؤال الأول، من خارج النص، وكان عن الرحلة الطويلة المتعددة المحطات في عالم العداء القديم: “المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي العظيم”.
كان ذلك هو المدخل المناسب لمباشرة الحديث “الأصلي” بعدما انصرف المصورون والصحافيون وأعضاء الوفدين يحف بهم رجال الأمن المتعددو الجنسيات واللغات والشارات وأولئك الذين غلب الفضول وقارهم فسعوا لأن يشهدوا “تلك اللحظة” ولو لم يكونوا في عداد المدعوين أو المكلفين بالحضور.
لم يبق إلى جانبي الطاولة العتيق خشبها، في القاعة الفسيحة، إلا ستة رجال: الرئيس ومعه وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي، وفي الخلف المترجمان.
من أين تبدأ الرحلة، وكيف يمكن لها أن تنتهي وليس لخريطتها علامات تخوم؟!
من الدولي إلى الإقليمي فإلى الثنائي وبالعكس. لكأنما الحديث يجري داخل أوان مستطرقة، ولا يمكن ترسيم الحدود بين مواضيع تتداخل وتتشابك حتى ليستحيل الفصل والتمييز بين العناوين على أساس لاأهمية. ليس من “ثانوي” في هكذا لقاء موضوعه الصراع العربي – الإسرائيلي، والمنطقة التي كانت عربية وستبقى حتى لو تبدلت التسميات، فاستخدم المعيار الجغرافي للآخرين بديلاً لهوية أهلها العرب، بمن فيهم من يفترض أنه إن تنصل منها انتسب إلى المستقبل.. إلى النظام العالمي الجديد.
لا حدود في الجغرافيا ولا حدود في التاريخ. أين تضع حدود الآخر في لون عينيك أو في سمرة بشرتك؟!
لا شيء ينتهي في صراع على الوجود. والسلام محطة، أو صفحة جديدة، لكن “الكتاب” أضخم من أن يلخص او يختصر وأصعب من أن تمكن كتابة خاتمته.
ليس للمنطقة العربية “محليات”. إنها في قلب العالم. ولقد كانت قلبه لقرون عديدة. ربما لم تعد رأسه. ولكنها ما تزال تستوطن وجدانه. إنها “الجرم الصغير الذي انطوى فيه العالم الأكبر”.
كيف يمكن أن ينسى وريث أرض الأديان والرسالات والأنباء جميعاً اسمه ونسبه وميراثه الذي تحفظه الأرض: هل من موقع، مدينة، جبل، نهر، بحرن إلا واقتحم أحد الكتب السماوية الثلاثة فاحتل منها الصدر؟!
أين واشنطن من دمشق؟ أين القدس، من الناصرة، من بيت لحم، من مكة، من المدينة؟ من بغداد؟ هذا إذا ما نسينا صور وصيدا وجبيل وأوغاريت وراس شمرا وبابل ونينوى وقبلهما أو معهما طيبة؟!
لا بد من التسليم إنها لم تعد “العالم”، ولا “مركز العالم”. ولكنها لا تستطيع أن تنسى إنها عبر تاريخها كانت قلب العالم، أو مطمح العالم، أو الطريق وحيد الاتجاه بين “المركز” والعالم. وهي لم تعطه فقط دياناته السماوية الثلاث، بل هي اصطنعت له بعض أمبراطورياته والكثير من حضارته ومن ذاكرته التي يلتهمها الآن الكومبيوتر ويكاد يلغيها.
لكن العالم لا يعيش بلا ذاكرة، خصوصاً في المنطقة المشتعلة بصراع تمتد معظم جذوره – بالحقيقة أو بالادعاء – إلى التاريخ – وتوظف الأسطورة الدينية القديمة لخدمة المصالح السياسية الحديثة الصنع.
لو أن بيل كلينتون “أميركي عادي” لغدت المهمة أكثر صعوبة على حافظ الأسد: أين القاسم المشترك بين “سياسي” بالولادة، و”عقائدي” يحتل التاريخ معظم ذاكرته ويمده بأحلامه وتمنياته ويتحكم بالكثير من صياغاته لسياسته وأهدافها والشعارات وبين هذا الشاب الأميركي الوسيم والذي يهوى العزف على الساكسفون؟!
لكن بيل كلينون خريج أوكسفورد. وأوروبا ورثت العالم من العرب عبر الترك. وفي أوروبا السبعينات (؟!) صار كلينتون “سياسيا”. اقتحمته جرثومة التاريخ. وفي التاريخ تكمن السياسة. منه تنطلق وإليه تنتهي، وهي بقوته تتجدد فتجدده.
وما أبعد الشقة، في الظاهر، بين هذين الرجلين اللذين يجلسان الآن متقابلين من أجل أن يتفقا؟! لقد جاء كل منهما من أمس مختلف إلى حد التناقض. فأحدهما فرض عليه أن يحترف الحرب لكي يحفظ أرضه وأهله ودوره، والثاني حارب الحرب وتظاهر ضد المحاربين لتحقيق أهداف مشابهة في بلده.
المحارب القديم يواجه الآن المقاتل القديم ضد الحرب.
الأول قاتل حتى يبقى، والثاني قاتل ضد الحرب ليبقى.
الأول ذهب، وأكثر من مرة، إلى حروب فرضت عليه فرضا،ً وهو لم يكن له يد – إلا مرة واحدة – في تحديد مكانها وزمانها وأسلحتها وإن كان غيره قد تحكمم بنتائجها، واستباقاً لحرب أخرى ظالمة كانت ستفرق عليه.
… والثاني انبرى لمنع حرب ظالمة كانت تشنها بلاده ضد الآخرين، بذريعة تأمين السلام لنفسها والتقدم والأمان للإنسانية، فترتد نتائجها عليها… وها هو، ومن موقع الرئاسة، يحاول تقديم صورة للأميركي الجميل بديلاً من تلك الصورة المنفرة للأميركي البشع التي استنفرت الشعوب جميعاً ضد الوريث القوي والممتلئ صحة وقدرات للمستعمر القديم المتهالك والذاهب إلى التقاعد والاندثار.
لا يحتاج الجرح إلى الفصاحة، لكن الجريح ليس أخرس، بل ينطقه الألم… وهكذا فإن الرئيس الأسد لم يخيب توقع كلينتون: كان لا بد له أن يستعيد الفصول الدموية لتاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، مع وقفة مطولة أمام التجارب المريرة التي مرت بها محاولة إعادة تأسيس علاقة سوية مع الولايات المتحدة الأميركية على امتداد ربع القرن الأخير.
كان لا بد له أن يقول كل شيء ودفعة واحدة: أن يعرض طبيعة الصراع وتاريخه، مع التذكير الدائم والمركز بموقع هذا الصراع في علاقة العرب بالغرب عموماً، وبالغرب الأميركي خصوصاً، وكان لا بد له أن يتحدث، في لحظات معينة، بلهجة “الأستاذ”، وأن يشرح فيستفيض في سرد الوقائع، مستشهداً بكثير مما سمع من الأسلاف: نيكسون وكارتر وبوش (مع حديث بصيغة الغائب عن رونالد ريغان الذي لم يعرفه شخصياً وإن عرف عنه الكثير وسمع منه عبر موفديه المتعاقبين ما لا يسر الخاطر ولا يطمئن البال).
ولقد عرف منه كلينتون ما لا يعرف وما لا ينوي أن يكون، ولذا فهو لم يطلب فقط إلا يحاسب بأخطاء غيره من المسؤولين الأميركيين، وبالذات هنري كيسنجر وفيليب حبيب وجورج شولتز وقبله الكسندر هيغ، وإنما اعترف علناً بأنه “عرف ففهم معنى السلام كما يريده الرئيس الأسد”، وبات يتفهم الحساسية في العلاقة بين العرب المنخرطين في الصراع، مع إسرائيل، بغض النظرعن الفوارق السياسية بين أنظمتهم والتي تصطنع الحدود بين “دولهم” وبين “مواقفهم” المعلنة.
” – عندي لا تمييز بين الجولان وبين جنوب لبنان وبين المحتل من فلسطين أو من الأردن. ليس الأمر كمثل رجل يفاضل فيفضل واحدة من زوجاته العديدات، إنها أرض عربية واحدة، بالنسبة إلي، ولا جزء منها أغلى علي من الآخر، وما أطلبه لجزء أطلبه للكل، وهذا بهديهي، فكلها أرض واحدة لأمة واحدة. وهذه الحقيقة تكشف السر في عجز الحلول المنفردة أو معاهدات الصلح المنفردة عن حسم الصراع التاريخي بين الإسرائيليين وبين العرب، ومن هنا إلحاحنا على السلام العادل والشامل والدائم. لا يكون السلام سلاماً إلا إذا كان شاملاً. وها أمامكم ثلاث تجارب لم تنجح في صنع السلام ولم تنه الصراع: كامب ديفيد 1978؟ مع مصر السادات، و17 أيار 1983 مع لبنان أمين الجميل، واتفاق غزة – أريحا مع ياسر عرفات في 13 أيلول 1993.
“هذا يكفي للتدليل على أن الحلول المنفردة، حتى لو تعددت، لا تصنع سلاماً. وقد تكون لإسرائيل مصلحة في أن تستغل لحظات ضعف عند بعض المسؤولين العرب لتختلس تواقيعهم على اتفاقات لن يقيض لها أن ترى النور، ولكن ما مصلحة بلاد عظيمة كبلادكم في أن تنحاز فتغدو طرفاً في هذا الصراع، فتفقد بذلك دورها كمرجع دولي وكوسيط نزيه وشريط كامل في صنع السلام؟!
“لا يكون سلام ذلك الذي يبني على القسر والإكراه، وليس إلا اتفاق إذعان ذلك الذي يعليه محتل يزدهي بانتصاره الذي لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، على ذلك المقهور الذي لا يمكن أن تدوم هزيمته إلى الأبد، خصوصاً وإنه صاحب الأرض وابنها، لم يجئها مستقدماً أو مستورداً من الخارج، وارتباطه بها دائم وثابت وأبدي، لا ينساها ولا تنساه، فهو منها وفيها ولها، وهي منه وله وفيه ولا مجال لبديل عند أي من الطرفين. لم يستقدم إليها من تاريخ آخر، ومن مواطن أخرى. كان فيها وبقي فيها وساتمر فيها وسيبقى فيها. منها استمد اسمه ومنها استمدت كنيتها”.
لعل هذا ما دفع كلينتون لأن يقول في بيانه ثم في إجاباته على أمثلة الصحافيين الكثر “إنه تعلم من الرئيس الأسد”، وتواضع متراجعاً عن التوصيف “الذهبي” القديم لاتفاق أريحا فإذا هو مجرد “خطوة أولى لوضع أساس لحل المشكلة”.
إذن، لا مجال للفصل. ولا مجال للتسلل باتفاق غزة – أريحا وكأنه النهاية السعيدة لفيلم هائل الدموية، متعدد الأبطال والمعارك والساحات كالصراع العربي – الإسرائيلي.
والصراع هو الذي فتح الطريق إلى الاتحاد السوفياتي.
كانت واشنطن هي معقد الرجاء، لكنها انسحبت من دورها، فاقتنص السوفيات اللحظة، وغادروا موقعهم وموقفهم المؤسس لقيام إسرائيل، مقتربين من العرب إلى حد المشاركة معهم في مواجهة التحالف المستجد بين تل أبيب التوراتية وواشنطن العلمانية والديموقراطية وحقوق الإنسان.
لا بد من أن يفعل الوعي بهذه الحقيقة فعلها ليمكن التأسيس لعلاقة جديدة بين سوريا (الأسد) وبين الولايات المتحدة الأميركية في “العهد الجديد”، عهد “التغيير” والبحث عن يقين، عهد القطب الأوحد ونظامه العالمي الجديد، عهد بيل كلينتون.
لكن الاستدراك ضروري، حتى لا يتكرر الخطأ التاريخي:
“- إننا نريد علاقات طيبة معكم. ولكن هذه لا تقوم إذا كانت الرغبة والقرار لدى جانب واحد. إنها لا تكون إلا بقرار مشترك من الطرفين. ولسنا نسعى إلى بيعكم أو إلى شراء سيارة مستعملة، تتعطل وتحرن أكثر مما تتحرك فتتقدم. إننا نريد علاقات طيبة لا يحكمها اتهام على الشبهة، ولا يتحكم فيها ذلك الذي يريد أن يستمر سوء التفاهم بيننا لكي يستمر تأثيره الخطير على قراركم. ولسنا نرى في اتهامنا برعاية الإرهاب وإدراجنا على قائمة الإرهاب إلا محاولة لإرهابكم أنتم والتحكم بعلاقاتكم الخارجية. لسنا أعداء لكم، بالمطلق، ولا نريد أن تنظروا إلينا وكأننا أعداء. لقد تصرفنا إزاءكم محكومين برد الفعل على ما صدر عن إدارتكم السابقة.
“وبقدر ما يتفاءل الأميركيون في تعهدكم بالتغيير، فإننا نأمل في أن يشمل التغيير موقفكم من الصراع العربي – الإسرائيلي عموماً ومنا خصوصاً. أنتم تريدون السلام، وهو مطلبنا. من ذاق مرارة الحرب ولوعة الضحية يقدر قيمة السلام، ولكن السلام يحتاج إلى طرفين. ولقد ذهبنا إلى مدريد، بضمانتكم وتحت رعايتكم، مع السوفيات الذين عادوا فصاروا روساً، بأمل أن يستجيب الإسرائيلي لهذه الدعوة إلى سلام الشجعان. لكنه حقيقة لم يأت، شامير حاول التخريب بفرض منطق التطرف والناسف للمؤتمر، وها هو رابين يحاول إجهاض المحاولة لإقامة سلام شامل وعادل باستدراج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى اتفاق ملتبس، نحن نرى فيه ما يؤذي عملية السلام ويعطلها. فالحل الصحيح لا يمكن أن يتم خلسة وبمعزل عن الأطراف الأخرى وعلى حسابها.
ولن يكون سلام في فلسطين، أو للإسرائيليين، إذا ما استمر الإسرائيلي متمسكاً باحتلاله بعض التراب الوطني السوري، وبعض التراب الوطني اللبناني وبعض التراب الوطني الأردني، ناهيك بما يحتله من الأرض الفلسطينية.
“ودور الولايات المتحدة الأميركية، كشريك كامل ووسيط نزيه، أساسي وحاكم. والاتفاق المنفرد يعطل هذا الدور. ولقد تحققتم بأنفسكم أن الاحتفال الباهر والمطالب الجميع بالمشاركة فيه، لا ينهي صراعاً يملأ صفحات الماضي ولا يصنع مستقبلاً يرتكز إلى أسس ثابتة تمد الأجيال الجديدة بالأمل في غد أفضل.
“ما المشكلة بين سوريا وبينكم؟!
“نسمع كثيراً من الأميركيين يتحدثون عن علاقة العرب عموماً وسوريا على وجه الخصوص بالإرهاب أو الجماعات الإرهابية؟! من قال إن العمل لتحرير الأرض المحتلة يمكن أن يصنف إرهاباً؟! لو صح ذلك لأمكن اعتبار “حرب الاستقلال” الأميركية إرهاباً. ألم تقاتلوا من اعتبر تموه محتلاً ومستعمراً؟! هل كان جورج واشنطن ورفاقه إرهابيين؟!
“وبصراحة يمكننا أن نقول أن كثيراً من تصرفاتنا كانت محكومة برد الفعل. كنا نتعرض للاحتلال، للاعتداء، لامتهان كرامتنا فنرد، فلماذا إغفال السبب ومحاكمة النتيجة؟!
“تريدون النجاح للعملية السلمية؟ إن السلام مطلبنا، ولكن هل الإسرائيلي جاهز؟! أنتم تعرفون أكثر منا. ما نعرفه وما نلمسه وما يجري على الأرض لا يطمئن. ودوركم ضروري كضمانة لنا وله، وعليكم أن تؤكدوا التزامكم بهذا الدور الذي جعلنا نقبل بالذهاب إلى مدريد، ثم فوجئنا أنه قد اشتق لنفسه ومن خلفنا الطريق إلى أوسلو… ولكن أين واشنطن؟!
لا بأس من الاستشهاد بالتاريخ الشخصي من أجل استخلاص ما يعزز الموقف المبدئي.
إنها فرصة لإسقاط ذلك الاتهام الذي التصق بالاسم حتى بات جزءاً منه:
“- أعتقد أننا نستطيع أن نصل إلى توافق حول تحديد الإرهاب وتوصيفه. نقطة انطلاقك نحو القمة تتمثل في موقفك المعروف من حرب فيتنام. لقد رفضت “خدمة العلم” وهربت من التجنيد، ثم تظاهرت مع المتظاهرين ضد الدور الأميركي في فيتنام، ووصلت في تحدي حكومتك إلى النهاية فقصدت موسكو، عاصمة “أمبراطورية الشر” كما أسماها في ما بعد الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وجهرت بموقفك فيها غير آبه لما يمكن أن ينالك.
إنه موقف مجيد تستحق التحية عليه…
ولكن، دعني أسألك: هل كنت آنذاك تعتبر مقاتلي الفيتكونغ إرهابيين؟! قطعالاً لا. بل كنت ترى في ما يقوم به الجيش الأميركي حرباً ظالمة، إذ شئنا تحاشي كلمة الإرهاب.
“بالمنطق نفسه، كيف يمكن أن يوصف الفتى الفلسطيني المقاتل ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي لتحرير أرضه بالإرهابي؟! إنه مقاتل قطعأً وليس إرهابياً. وهذا الفتى الذي يقاتل المحتل الإسرائيلي، دفاعاً عن بيته وحياته في جنوب لبنان، وسواء أكان ينتمي إلى “حزب الله” أو إلى أي تنظيم من تنظيمات المقاومة الوطنية… من يجرؤ على اتهامه بالإرهاب؟! وكل من يقاوم المحتل في أرضه، سواء أكان سورياً أو أردنياً، هو مقاتل ضد الإرهاب ولا يمكن تصنيفه إرهابياً. ومن يساعد هؤلاء لا يُقبل أن يتهم برعاية الإرهاب، بل لا بد من التساؤل لماذا لا تتدخل الشرعية الدولية والقوى العظمى ذات المسؤولية الخاصة عن السلام في العالم لوقف الظالم عند حد،
“إننا ضحايا الإرهاب. وطبيعي أن يتكاتف الضحايا طالما إرهاب الأقوياء مستمر…”.
ليس من الضروري أن يكون الرئيس الشاب قد اقتنع ولكن المهم إثبات الموقف بصورته الصحيحة.
والرئيس الشاب ضمن أحد ردوده، على أسئلة الصحافيين بعد اللقاء، إشارة إلى الموضوع المختلف على توصيفه، أو الذي كان مختلفاً عليه، وقال إن النقاش قد امتد نحواً من ساعة “من دون أن نحاول حلها الآن”، وإنه بالتالي ترك الأمر لمداولات اللجنة المشتركة التي تم تشكيلها من وزيري الخارجية في البلاد، ضمن أمور أخرى لا بد من إعادة النظر فيها والتوافق عليها أو قبول كل طرف بموقف الآخر، من دون ابتزاز وعقوبات أو تشهير دولي.
لبنان
التفويض مطلق في الشأن اللبناني، واقعياً ورسمياً. لكن حافظ الأسد دقيق ومتحفظ في استخدام هذا التفويض المباشر… والمنطق القومي ييسعف هنا كما في أي موضوع آخر من الموضوعات المطروحة. فالوقائع، بمعظمها نتائج للصراع لاأصلي، بما في ذلك القرار 425. ومن هنا فهو قد أدرجه مباشرة بعد القرارين الآخرين (242 و338) المتصلين بالاحتلال الإسرائيلي لأرض عربية أخرى،وربطها جميعاً مع الأرض مقابل السلام وبصيغة مدريد للوصول إلى التسوية المقبولة.
ولقد تجلت قوة العرض الذي قدمه الرئيس الأسد في الاستدراك الذي لجأ إليه الرئيس الأميركي، بعد إجابة له مبتسرة حول لبنان، إذ قطع إجابة على سؤال آخر ليعود فيقول إن أحد مساعديه لفته إلى غموض إجابته اللبنانية مما قد يسيء إلى الرئيس السوري، ثم أعاد شرح إجابته الأولى بوضوح.
كان لبنان حاضراً وبقوة: حاضراً كطرف كامل في العملية السلمية، وحاضراً “كدولة”، لها سيادتها واستقلالها، ولها صيغتها السياسية كما أنجزت في مؤتمر الطائف. حاضراً عند الحديث عن المقاومة كما عند الحديث عن السلام الشامل والعادل والدائم.
لقد استحضره الرئيس الأسد عبر شرحه التفصيلي لطبيعة العلاقات بين “الشعب الواحد في دولتين”، ولطبيعة ارتباطهما بمصير مشترك هو الذي أملى معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق، وهي معاهدة فيها الخير والمصلحة المشتركة للبلدين وعبر “دولتيهما” وليس العواطف أو الرغبة في الهيمنة والفرض.
وكان لا بد من استحضار لبنان عند الحديث عن “المقدمة النارية” لاتفاق غزة – أريحا، والتي شنت فيها إسرائيل “الاجتياح بالنار” على جنوبه، ثم عرف من بعد أنها كانت لصرف الأنظار عما يدور في واشنطن.
وكانت تلك فرصة ممتازة للتوكيد على حقيقة أن أي حل منفرد لا يمكن أن يتم إلا على حساب الأطراف الأخرى في الصراع المفتوح الذي أصابت نتائجه الجميع في صياغة التسوية السياسية المقبولة له.
ملاحظة: قبل المؤتمر الصحافي المشترك، تقدم السفير الأميركي في دمشق كريستوفر روس مني، ودقق ملياً في البطاقة المميزة للصحافيين المعلقة على صدري وفيها ما يفيد بأنني ضمن البعثة السورية، وقرأ الاسم بلهجة من اكتشف سراً حربياً، ثم حاول التخفيف بمداعبة شخصية، وكان الرد طبيعياً: – ولكن رئيسكم في الداخل يتحدث عن لبنان كله حاضراً ومستقبلاً مع الرئيس الأسد.
وقال الدبلوماسي المدرب: – لا تفهمني خطأ، أنا لا أحتج. أنا فقط أحاول الربط بين التصور والصورة الفعلية.
وخلال المؤتمر الصحافي، وبعد الإشارات المتكررة في إجابات الرئيس الأميركي إلى لبنان ودور سوريا فيه، بل ودورها – المفتاح في المنطقة وسلامها، التفت أبحث عن السفير روس فبادرني بابتسامة واسعة وهزة رأس بالموافقة على ما لم تختلف عليه!
لم يضيّع الرئيس الأسد الفرصة السانحة. واشنطن هي المطلوبة، وضمان نزاهة رئيسها هو الهدف. لا أوهام في أن ينحاز إلينا كلينتون، المهم أن يسمع المنطق العربي كاملاً، واضحاً، صريحاً ومباشراً. المهم أن نهز يقينه السابق (؟) وأن نلزمه بالبحث عن توازن يعصمه عن الانحياز المطلق للمنطق الإسرائيلي المهيمن في محيطه.
إنها مدرسة حافظ الأسد في المسلك السياسي: أعرف محاورك جيداً ودعه يعرفك جيداً، ولكي يعرفك فلا بأس من أن تشرح له موقفك مستعيناً بالتاريخ وبالوقائع الشخصية وبتجارب الآخرين وتجاربك مع الآخرين.
إنه يتقن تقديم نفسه ليس كمعلم ولكن كناصح غني التجربة. ومع رجل مثل بيل كلينتون فقد نجح في استخدام اللغة التي يفهمها، وظهر التأثير واضحاً على الرئيس الشاب حين جاءا معاً إلى المؤتمر الصحافي. ظهر في مسلكه كما في حديثه. ونطق جملاً سمعها للتو من “الحكيم” الذي يمد له بالصداقة من أعتق عاصمة في الدنيا.
إن بيل كلينتون يرشح نفسه لأن يكون صورة المستقبل: بوسامته، بطوله، بشبابه، بنظرته الذاهبة إلى البعيد، بطموحه لأن يدخل التاريخ… وأوسع بوابة للتاريخ هذا الشرق. وأبرز وأقوى من يحمل مفاتيح هذا الشرق الرجل الذي جالسه لمدة أربع ساعات وثلثا ثم استزاده فامتدت الخلوة لساعة أو أكثر، واختل برنامج السفر، وتزايد الاضطراب في المدينة القلقة: تل أبيب.
كان بيل كلينتون صورة مجسمة لنتاج الأرض الجديدة، لكنه اكتشف بالقطع أن محادثه ليس الماضي، وليس آتياً من الماضي أو ذاهباً إليه. إنه الحاضر أيضاً. بل هو الحاضر أساساً، والإسرائيلي لا يمكن أن يكون في آن الماضي والحاضر والمستقبل.
لا أحد يستطيع أن يكون هو وحده الدنيا.
ولقد نجح حافظ الأسد في أن يقرب دمشق من واشنطن والعكس بالعكس، وأن يجعل من طموح كلينتون أرض اللقاء مع الإسرائيلي على السلام. لقد أزال معظم الألغام من الطريق بين العاصمتين، وانتزع الاعتراف بدوره الحاسم مستقبلاً. هو غير الآخرين، وليس كمثله أحد بين لاذين وقعوا أو المدعوين إلى التوقيع غداً. إنه الأقرب إلى صورة “العربي” السوري، وهو بقوة موقعه هذا يتحدث ويغير في السياق ويشارك في تصحيح الأولويات.
وهي بعد اليوم معركة كلينتون مع الطرف الإسرائيلي، وهي معركة قد بدأت في طائرته التي عادت به إلى واشنطن كما قال لنا بعض صحافيي البيت الأبيض، لكن ساحتها الفعلية ستكون داخل إسرائيل… فالذي تم فيجنيف أخطر من أن تقبله وأكثر صلابة من أن تستطيع رفضه وإلغاءه.
والأيام القليلة المقبلة ستبلورخطورة ذلك الذي تم في المدينة السويسرية الهادئة أكثر مما يجب، والتي قد يحفظ تاريخها أن فيها قد أنجزت أهم خطوة على طريق تسوية الصراع الدموي الطويل بين العرب والإسرائيليين، وأن المدخل لذلك الإنجاز كان نجاح حافظ الأسد في هز المسلمات الإسرائيلية التي كانت تملأ ذاكرة بيل كلينتون وتوجه حركته السياسية.
… وهذه معركة طويلة ومريرة أخرى، ولكنها ليست “ضد” الأميركي والإسرائيلي معاً، بل هي لتوضيح الحدود بينهما بحيث يمكن أن يبني السلام في “الأرض الحرام” التي قد تتسع مستقبلاً للعرب.