ليست مصادفة أن تعرض الإدارة الأميركية، مرة باسم فرنسا، ومرة أخرى باسمها ومعها بريطانيا وفرنسا، مشروعين لقرارين يكشف التزامن في تقديمهما إلى مجلس الأمن الدولي الترابط الكامل بينهما.
أول القرارين فرنسي الصياغة، وإن كان أميركياً بالمردود، وهو يتعلق أساساً بالعلاقات بين لبنان وسوريا، وضرورة ترسيم الحدود (لتثبيت هوية مزارع شبعا اللبنانية، كمدخل لإنهاء مهمات حزب الله وإحالته على التقاعد فالتسريح باعتباره قد أدى واجبه مشكوراً وعليه أن يخلي مكانه للدولة التي ستقوم، إن شاء الله، بعد سنة أو بضع سنوات، لا يهم).
… ثم إن القرار يُلزم لبنان وسوريا بإقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفراء في أسرع وقت ممكن..
أما مشروع القرار الثاني فيتعلق بإيران ومشروعها بتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، وهو قرار إسرائيلي في جوهره، حتى لو كان مقدماً من الأميركي القذر جون بولتون ومعه بريطانيا وفرنسا.
هل أوضح من صفقة كهذه؟
ليس في سياسات الدول، وبالذات الكبرى منها، فكيف بالأعظم، مجال للمصادفات، فإذا طرأ ما يناسب مصالحها، في لحظة معينة غير متوقعة، فمن البديهي أن تغتنم المصادفة كفرصة إضافية لتحقيق تلك المصالح..
ضحية المصادفات، في الغالب الأعم، هي الدول الصغرى، التي لا تملك من أمرها شيئاً، والتي يقرّر لها الكبار ما يناسب مصالحهم فيها ومن حولها، من دون أن يمنعهم ذلك من أن يتخذوا من شعارات الحرية والسيادة والاستقلال للدولة الصغيرة عناوين لحركتهم التي لا تعنيها هذه الشعارات في شيء… فهي مجرد وسيلة لخدمة مصالح الكبار الذين طالما ركبوا طموحات الصغار كي يموّهوا أهدافهم الفعلية.
على هذا، وببساطة متناهية، سيجد لبنان نفسه بغير أن يريد وبغير أن يدري (؟) طرفاً في الحرب الأميركية على إيران، باستغلال فترة الجفاء وعواطف الثأر والرغبة في الانتقام التي تحكم إلى حد كبير مسلك قوى الأكثرية النيابية ضد سوريا.
فسوريا، علناً، هي الحليف الأهم لإيران في المنطقة العربية.
وسوريا هي الجسر وخط الإمداد الأساسي ل حزب الله بالإمكانات التي تجعله قوياً بحيث يفضل الاحتلال الإسرائيلي تجنب التصادم معه، أقله في الظرف الفلسطيني (ومن ثم العربي) الراهن..
وسوريا هي الحليف المعلن لحركة حماس وكل من يقول بالمقاومة من أجل الدولة في فلسطين.
وما دامت مهاجمة سوريا مباشرة أمرا متعذرا، لأسباب تتصل بتوازنات في المصالح الدولية، فإن أقصر الطرق إلى إيذاء دمشق قد تكون في اعتماد بيروت رأس حربة ومنطلقاً للهجوم، لأسباب تغلّفها شعارات السيادة والاستقلال والحرية والديموقراطية وإنهاء النظام الأمني وعهد الوصاية والخلاص من الوديعة السورية ممثلة برئيس الجمهورية الممدد له بطريقة غير شرعية (مع الإشارة إلى أن معظم التمديديين يتمتعون بشرعية مطلقة الآن، ويحاسبون الغير على صغرهم وخضوعهم للضغط والابتزاز والتصويت بالإكراه… إلخ).
إذاً، فلا أفضل ولا أقرب ولا أفعل من جبهة لبنان لإشغال سوريا بنفسها، سياسياً، وهذا أهم، وربما إذا لزم الأمر عسكرياً في حين أن الهدف إيران (ومعها فلسطين، وقبلها العراق).
أين مصلحة لبنان في أن يكون ممراً لهذه الحرب الأميركية (الإسرائيلية)؟ وهل يكون انتقاماً للرئيس الشهيد رفيق الحريري أن يكون لبنان رأس الحربة في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ومعها فلسطين وسوريا؟!
ليس في علمنا أن اللبنانيين من هواة الانتحار العبثي خدمة لمصالح الغير… فهل نتنبّه قبل أن تأخذنا الغفلة المموَّهة بالثأر إلى الانتقام من الآخرين بتدمير أنفسنا؟!