مضى زمن العتاب، ولا مجال، بعد، للحساب! ودنيا اليوم غير دنيا الأمس.. وهكذا فإن معمّر القذافي الأول، العربي الوحدوي، قد استولد معمر القذافي الثاني، الكوني والمطالب نفسه بإعادة صياغة العالم عبر نظريته المبتدعة التي سرعان ما استولد لها مرجعها الفكري: الكتاب الأخضر … ثم استولد معمر القذافي الثالث والرابع والعاشر فإذا هو ليس هو، برغم أنه ما زال يحتفل بذكرى ولادته عبر ثورة الفاتح من أيلول/ سبتمبر التي نقترب الآن من عيدها عيده السابع والثلاثين في جماهيريته الفريدة في بابها، والتي لن يكون لها شبيه أو نظير أو مثيل، لأنه هو نسخة وحيدة.
من العروبة الوحدوية إلى القطرية الشوفينية تحت رايات النظرية العالمية الثالثة .. فإلى محاكمة العروبة كدعوة عنصرية، فإلى الأفريقية بديلاً، فإلى إعادة تقسيم العالم إلى أمداء حيوية تتجاوز القوميات والوطنيات، وتتجاوز أوهام التحرر والتحرير، والاشتراكية المحققة للعدالة الاجتماعية، إلى آفاق عولمة من نوع مختلف، من ثمارها إسقاط القداسة عن فلسطين القضية، وإسقاط صفة العدو عن إسرائيل لاختلاق مشروع دولة تندمج فيها القضيتان بغض النظر عن الحق والعدالة والهوية والتاريخ لتعطيا الثمرة المهجنة: إسراطين…
من طز، طز في أميركا ، والتظاهرات الصاخبة، واستقبال الهنود الحمر بوصفهم أصحاب الحق الشرعي في تلك الأرض التي استعمرها الرجل الأبيض طويلاً ولا بد من أن تُعاد إليهم، ومساعدة الثوار وأشباه الثوار والأدعياء من منتحلي العمل الثوري ، إلى التسليم المطلق بحق الإدارة الأميركية في أن تعيد تنظيم العالم وفق معاييرها…
أمس، أعلنت واشنطن عن قبولها أخيراً بالنموذج الذي لا مثيل له ولا نظير والذي ابتدعه معمر القذافي ووفر له بكل الوسائل القدرة على الاستمرار جيلين في البلاد الغنية بنفطها وبطيبة شعبها الأصيل الذي كلما افترض أن التجارب عليه قد توقفت، فاجأه القائد الذي كان الأخ معمر بأنه سيخوض به تجربة جديدة ظاهرها فكري وباطنها سياسي اقتصادي ثقافي يمكن لاستقرار السلطة والثروة والسلاح في قرار الرجل الذي ينظر إلى نفسه كرسول إلى الإنسانية جمعاء، لا يساعده في رسالته المقدسة إلا أبناؤه وأهله الأقربون..
أمس، ربح معمر القذافي المعركة واعترف له جورج بوش بأنه أستاذه وصاحب السبق في إطلاق نظرية الفوضى البناءة …
وربما ينجح صاحب النفط في أن يقنع صاحب القرار بأن يعتمد أيضاً نظريته في الديموقراطية فيعلن الولايات المتحدة الأميركية جماهيرية تقتدي بالجماهيرية العظمى لرجل كل العصور: معمر أبو منيار القذافي!