طلال سلمان

جنوب برج بابل وشمالة

في البدء، وبحكم العادات وتقاليد الضيافة، الترحيب والاستقبال الودي، ومعهما بعض الدهشة وشيء من استشعار علو الكعب: لو لم نكن، نحن أهل الجنوب، على هذا القدر من الأهمية والخطورة، لما تزاحمت كل هذه الدول البعيدة على إيفاد أبنائها إلى بلادنا الفقيرة!
… ولو لم نكن، نحن أهل الجنوب، من ذوي الحظوة لدى هذه الدول لما بعثت بنخبة عسكرها كي يتولوا الإشراف على انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من بعض النقاط التي كان قد سارع إلى إنزال جنود المظلات فيها لتكون ورقة مساومة (كما حصل..) يبهت معها النصر الذي تحقق لنا.
على أن التدفق اليومي المتكرّر للجنود يتقدمهم ضباطهم، وبينهم للمناسبة فتيات في عمر الورد بشعر أشقر وعيون زرقاء، على شاطئ صور، يثير في البال أسئلة لا جواب لها عند المواطن الذي يرى، مع كل شمس جديدة، قطعاً حربية إضافية ترسو وعمليات إنزال مهولة تتم، فيتدفق المزيد من الآليات العسكرية فيها دبابات ومصفحات وغرف عمليات متحركة، بحيث يضيق الشاطئ ومن ثم الساحات والطرقات بهذه الجيوش ذات الأعلام المزركشة والتي تنتظر من يقودها ومن يحدد لها صديقها و خصمها المحتمل وموقعها بينهما.
والجنود هويات وأهواء ولغات متعددة، لا يكفي لتوحيدها في الهدف أو في الغرض شعار الأمم المتحدة، ولا يغطي اللون الأبيض الذي تطلى به سياراتهم والأعلام الزرقاء التي يرفعونها، حقيقة أنهم يمثلون سياسات مختلفة لدول ليست موحدة تماماً في نظرتها إلى المنطقة عموماً، ومنها لبنان، وإن كانت جميعاً تداري إسرائيل وترهبها..
صحيح أن أهل الجنوب قد عرفوا مثل هذه القوات الأممية منذ العام ,1978 ولكنهم يستشعرون الآن قلقاً معيناً، لأن مهمة هؤلاء ليست واضحة تماماً بقدر ما كانت مهمة أسلافهم… ثم إن تصريحات بعض المسؤولين في الدول التي أوفدت هذه الجيوش، والتي يتبدى فيها الانحياز لإسرائيل وشيء من الجفاء، حتى لا نقول العداء ، تجاه حزب الله ومَن معه، لا تطمئن كثيراً.
كذلك فإن للجنود، طالما أنهم وصلوا إلى لبنان، أدياناً ومذاهب وطوائف، خصوصاً أن بينهم كتائب آتية من دول إسلامية، فهل ستكون مواقفهم متصلة بعواطفهم… وماذا لو اختلفوا مثلاً على التصريح المستنكر للبابا الذي ستكون له تداعيات خطيرة تتجاوز اليوم إلى الغد؟!
المنظر، للوهلة الأولى، فيه شيء من الطرائف الفولكلورية، لكن التدقيق فيه يوحي كأن الجنوب في طريقه للتحوّل إلى برج بابل جديد، إذ ستزدحم في مساحة ضيقة منه آلاف مؤلفة من الجنود الذين يرطنون بلغات مختلفة، بحيث سوف تزدهر مهنة المترجمين ، ولكن أبرعهم وأقدرهم في قراءة النوايا سيجتهد كثيراً قبل أن يوفق في نقل الطمأنينة إلى الجنود الآتين يتقدمهم شيء من التهيّب من احتمال التصادم مع هذا الحزب الذي عجزت إسرائيل عن تحقيق انتصار ساحق عليه (وإلا لما كانت قد اشتدت الحاجة إلى وجودهم هنا، كجدار فصل عسكري)… وبالمقابل سيكون عليه أن يبذل مجهوداً أكبر لكي يطمئن نفسه إلى أن هذا الوجود العسكري لن يكون إنذاراً بحرب جديدة تنتهي بنتائج مختلفة إذا ما أخطأت هذه الجيوش في معرفة الحد الفاصل بين الحرية والاحتلال، بين الترحيب بالضيف الآتي لمعاونة صاحب الأرض على استعادة حقه فيها، وبين المعتدي الذي تسبّب في كل هذا التدمير الذي سيجدونه ناطقاً أمامهم، فضلاً عن صور الشهداء التي ستشهد لهم أو عليهم..
… بمعزل عمّا يقوله السياسيون في بيروت، وما أكثر ما يقولونه، ثم يتراجعون عنه وقد يعودون إليه كرة أخرى، تبدو العاصمة كأنها وقعت في مصيدة البلبلة بينما الجنوب واضح اللغة والقصد.

Exit mobile version