من الواجب تجاه العراق وأهله، والأكراد فيه جزء لا يتجزأ منهم، رفع الصوت بالتنبيه إلى بعض التصرفات التي قد تضيف مزيداً من المشكلات والإشكالات إلى الواقع المأساوي لهذا البلد العربي العريق المثخن بجراحه النازفة، والمثقل بالاحتلال الأميركي الذي ورث نظام الطاغية صدام حسين، في هذه المرحلة البائسة من تاريخ هذه الأمة بكل أقطارها.
بين هذه التصرفات مسلسل التصريحات الخرقاء التي أدلى بها المسمى وزيراً للخارجية في الحكومة الانتقالية، هوشيار زيباري، طوال يومي السبت والأحد الماضيين، حول »النقص البروتوكولي« في دعوته إلى الاجتماع الذي عقدته »دول الجوار العراقي« في دمشق، وقد تجاوز فيها الاحتجاج إلى الطعن بمشروعية هذه »الهيئة« التي استولدتها المخاطر التي اجتاحت العراق احتلالاً مباشراً والتي تهدد الدول السبع التي تداعت للتلاقي لحماية نفسها بالأساس من التداعيات المنطقية لهذا التطور الخطير الذي لن تقتصر نتائجه المدمرة على العراق بل ستؤثر سلباً على مجمل أوضاع »الشرق الأوسط« وبالذات منها على جيرانه المباشرين.
وكان يمكن تجاوز تصريحات زيباري الانفعالية، والتي رأى فيها مساً بما لا يمس من »مكانة حقيبته الوزارية«، وبالاستطراد »شرعية« حكومته الانتقالية، لولا أن زاد عليها جلال طالباني، من موقعه المستجد كرئيس لمجلس الحكم الانتقالي فتجاوز الانفعال إلى إصدار الاتهامات والأحكام الخاطئة والتي تسيء إلى »تاريخه« و»رصيده« المحفوظ عند العرب جميعاً، أكثر من إساءتها إلى سوريا التي اعترف لها بالفضل العميم على العراقيين عموماً والأكراد منهم خصوصاً وعليه شخصياً، منتهياً إلى »إدانة« استهانتها بمؤسسات الحكم الانتقالية، بل وموجهاً إليها اتهامات ترددت الإدارة الأميركية ذاتها في الجزم بصحتها، حول »تورط سوريا« في »توريد الإرهاب والإرهابيين« إلى العراق، ولو بالتقصير في ضبط حدودها الطويلة (والصحراوية) معه.
ولقد كان رد الفعل الأول عند عارفي جلال طالباني محدداً: يبدو أن »الرئاسة« المؤقتة للمجلس الانتقالي (الذي لا يدوم فيه ومنه في المدى المنظور إلا صاحب السلطة الفعلية الحاكم باسم الاحتلال الأميركي) قد ذهبت ب»حكمة« هذا السياسي المحترف الذي تقلب بين المواقف والمواقع كثيراً ولكنه ظل دائماً حريصاً على حفظ خط الرجعة..
فجلال طالباني يكاد أن يكون »رجل كل الفصول«، ولطالما تميّز بقدرته على التكيّف مع الظروف وتقلباتها معتمداً ما استطاعه أو وصلت إليه مواهبه من فنون الدهاء التي تميّز بها معاوية بن أبي سفيان الذي كان يحرص على عدم قطع »الشعرة« مع أعتى خصومه، مهما بلغت حدة عدائه له.
وعلى امتداد أربعين سنة تقريباً كان جلال طالباني نجماً لامعاً في أفق السياسة العربية، تجاوزت نشاطاته مساحة العراق، فاستقبله جمال عبد الناصر، ورحّب به معمر القذافي، وأعجب به هواري بومدين، واستضافه حافظ الأسد، واشترك الجميع في التعبير عن تعاطفهم مع الحقوق الكردية كأقلية قومية في وطنهم العراقي، واحتضان الأمة جميعاً لهؤلاء الأشقاء في الأرض وفي الدين وفي المصير..
بل إن هذه الحماية العربية أسهمت في وقف المذبحة داخل الصفوف الكردية التي تفجرت لأكثر من مرة بسبب الصراع على السلطة في »الكانتون« الذي عزله »الحظر الأميركي« عن سائر العراق، من دون أن يعني هذا إقدام طالباني (وخصومه) على قطع شعرة معاوية مع صدام حسين.
لهذا كله لم تقع تصريحات »الرئيس« جلال طالباني موقعاً حسناً في نفوس »أخوانه« العرب عموماً، ومعهم الإيرانيون والأتراك..
بل رأى كثيرون في تعريض جلال طالباني (ومن قبله زيباري) بسوريا، وبوزارة الخارجية فيها تحديداً، إسهاماً مباشراً في الحملة الأميركية الضارية على سوريا، قيادة وشعباً، دوراً وموقفاً، لا سيما بعدما ثبت عبر تدفق الوفود العراقية بتلاوينها السياسية والدينية والطائفية والعشائرية جميعاً على دمشق، ان العراقيين جميعاً يرون فيها »الحاضنة العربية« التي لا تريد للعراق كل العراق إلا الخير، أي سلامة الأرض والشعب واستعادة السيادة والاستقلال، وإجلاء الاحتلال الذي سقطت كل ذرائعه التي حاولت الإدارة الأميركية أن تبرّر بها هذا العدوان المباشر على بلاد تبعد عنها آلاف الأميال.
ولقد كان البيان الصادر عن اجتماع الدول السبع صريحاً في أمور عدة جوهرية بينها: أن هذه الفوضى المسلحة والدموية التي تجتاح العراق، والتي يتحمّل الاحتلال المسؤولية عنها، إنما تهدد دول الجوار التي تخشى من تمددها إليها، ومن »تسرب الإرهابيين« من العراق إليها وليس العكس.
ثم إن البيان قد أدان كل العمليات الإرهابية التي استهدفت المنظمات الدولية والمدنيين في العراق، محملاً الاحتلال المسؤولية عن وقفها باعتباره »السلطة«.
ولقد وضعت التحفظات جانباً وتمّ التعامل مع »مجلس الحكم« ومن ثم مع »الحكومة المؤقتة« باعتبارها مؤسسات انتقالية لسلطة انتقالية، متجاوزاً حقيقة أنها لا تملك في ظل الاحتلال إلا »الصورة«، ولكن الدول السبع »اعترفت« بها كأمر واقع، كسلطة عراقية مؤقتة (تحت الاحتلال) في انتظار أن يمكّن شعب العراق من انتخاب سلطته الشرعية وفق دستوره الجديد، كمرحلة لا بد منها لخروج جيوش الاحتلال و»قوانينه« الاستثنائية التي يصدرها بريمر متعجلاً للسيطرة على ثروة العراق الوطنية ومرافقه الحيوية جميعاً، قبل أن يعود العراق إلى ذاته ويمسك شعبه بمقاديره.
كان التقدير أن جلال طالباني سيكون أكثر حكمة ممّا تصرف وأكثر احتراماً للحقيقة مما قال.
لكنه الاحتلال، يا كاكا جلال… أم تراه منصب »الرئيس« ولو لشهر؟!
على أن أصدقاءك الكثر كانوا يفترضون أن دهاءك أقوى من وهج »الرئاسة« العابرة والتي لا تضيف إلى رصيدك، هذا إن هي لم تحسم منك.
هذا مع الثقة الأكيدة بأن جلالاً لن يقدم تبريراً »مقنعاً« غداً عندما يصل إلى دمشق ويعانق فيها من هاجم ظلماً، مفترضاً أن التقلبات السياسية لا تفسد للود قضية..
.. ولكنك لم تعد »الكردي التائه«، كاكا جلال…