فأما الحرب بمعناها العسكري فقد خسرتها اسرائيل، حتى لو أكملت تدمير لبنان بيتاً بيتاً ومدرسة مدرسة ومرفقاً مرفقاً، من الكهرباء إلى المطارات إلى المرافئ إلى الجسور إلى المصانع والمعامل والورش البسيطة.
لقد خسرت اسرائيل الحرب حتى لو أضافت الى مجازر الاطفال والنساء والعجائز والفلاحين الذين يعيشون بأرضهم ولأرضهم ومنها، مجازر اخرى تحصد مزيداً من الأرواح، ولم تكتف بالالف شهيد الذين دفنت معظمهم أحياء في البيوت والمساجد والملاجئ المرتجلة وطاردت بعضهم الآخر وهم يحاولون الهرب من صواريخها وقذائف مدفعيتها وغارات طائراتها التي لا تكاد تغيب عن أجواء لبنان من أقصاه شمالاً الى أدناه شرقاً فضلاً عن الجنوب كافة والعاصمة بيروت وضواحيها حتى تعود اليه لتقتل وتحرق وتدمر أبناء الحياة وأسباب الحياة.
لقد خسرت اسرائيل الحرب التي وصلت إليها نارها ومسّتها في قلب المدن والمستعمرات والقرى وحتى في الثكنات العسكرية التي أقامتها بقصد مقصود وضمن خطة موضوعة بعناية في الاحياء العربية من المدن التي كانت لأهلها الفلسطينيين فصادرتها وطردتهم منها، إلا أقلهم ممن تركتهم لبؤسهم حتى يرحلوا أو يذوبوا فينعدم ذكرهم.
لقد خسرت اسرائيل الحرب المتواصلة منذ ثمانية وعشرين يوماً من دون أن يستطيع جيشها الذي لا يقهر أن يتقدم إلا بضع مئات من الامتار في المناطق الخالية من السكان، في حين ما يزال المجاهدون من فتية حزب الله يقاتلونه ويصدون هجمات آلته الحربية الهائلة فلا يمكنونه من مدينة أو قرية أو مزرعة على امتداد الحدود.
… وما النجدة الاميركية التي بادرت إدارة جورج بوش الى تقديمها لإسرائيل عبر مشروع القرار المفخخ الذي يعرض على مجلس الأمن الدولي إلا إثبات إضافي على أن آلة الحرب الاسرائيلية بكل جبروتها قد عجزت عن تحقيق نصر يبدو مستحيلاً، حتى لو أمكنها احتلال بعض الأراضي التي لا تستطيع تأمين قواتها فيها، ولا هي ستضمن معها منع انهمار صواريخ حزب الله على مختلف أنحاء هذا الكيان الذي قام بالحرب وتوطد بعجز الدول العربية عن مواصلة الحرب وخروجها من الميدان إما بمعاهدات صلح منفرد وإما بإعلان استسلامها المموه برغبتها في سلام لم يعرضه عليها المنتصر بلا حرب!
والمعركة الجارية الآن في مجلس الأمن حول القرار الدولي العتيد توازي بخطورتها الحرب الاسرائيلية على لبنان، بل لعلها أعظم خطورة إذا ما تجاهل العرب الوقائع الميدانية، فانطلقوا من واقع الافتراض أن لبنان مهزوم، فضلاً عن أنه مدمر، ولا بد من وقف الحرب بأي ثمن.. حتى لو كان هذا الثمن أبهظ كلفة في الحال وفي الاستقبال من الحرب التي لم تستطع اسرائيل أن تكسبها بآلة التدمير الهائلة التي تمتلكها.
إن هذه المعركة في مجلس الأمن لن تنتهي إلا بحل مقبول، هو ما طرحته الحكومة اللبنانية بنقاطه جميعاً، وعنوانها إرسال
الجيش الى الجنوب بكثافة وتعزيز قوات الطوارئ الدولية بما يوفر الطمأنينة لإسرائيل ويؤمنها من مخاطر أن يقدم لبنان على اجتياحها عسكرياً!
وممنوعة المساومة في هذه المعركة الدبلوماسية التي تقودها الادارة الاميركية نيابة عن اسرائيل، وبفظاظة غير مسبوقة إلى حد أن فرنسا التي كانت قد تورطت فشاركت تلك الادارة في صياغة مشروع القرار المعروض على مجلس الأمن انتبهت قبل فوات الأوان فحاولت تعديل النص المحشو بالديناميت والمستهدف، أساساً، نقل الحرب الى الداخل اللبناني، بحيث ترتاح اسرائيل (ومعها واشنطن) في الحال وفي المستقبل..
إن مشروع القرار بنصه المقدم الى مجلس الأمن سيكون بمثابة قرار دولي بتفجير لبنان بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر، اذ هو سيبرئ اسرائيل من جريمة إقدامها على تحويل حادث سبق أن وقع مرات عديدة الى ذريعة لحرب مدمرة.
إن مشروع القرار يضع مسؤولية الحرب على الضحية، ويقدم حزب الله في صورة مزورة تماماً، اذ يحرمه من شرف الدفاع عن أرضه وأهله ورايات وطنه.
ثم بعد ذلك يسهل العمل على نقل الجدل حول المسؤولية الى الداخل، وقد تم تشريعه دولياً، وفي مجلس الأمن (الذي كان يفترض به أن يكون ضمير العالم).
بهذا المعنى فمهمة الوفد العربي الى مجلس الأمن تنجح أو تفشل ليس بقدر ما تعدل في النص المحشو بالديناميت المفجر للحرب الاهلية، بل بقدر ما تعيد صياغته بما يحمي لبنان، فعلاً، من الحرب الاسرائيلية ومن تداعيات هذا القرار الملغوم لو تم تمريره بختم الشرعية الدولية .
إن المخاوف العربية من تداعيات الحرب الاسرائيلية على لبنان، بالذات، من ظاهرة الالتفاف الجماهيري الواسع حول حزب الله الذي حقق ما عجزت عنه الانظمة العربية على امتداد ثمان وخمسين سنة هي تاريخ زرع الكيان الاسرائيلي في الأرض العربية، هي التي حرّكت هذه الانظمة فجاء وزراء خارجيتها الى بيروت، ولو متأخرين، ليتبنوا موقف الحكومة اللبنانية ومطالبها، ثم الطيران بها الى مجلس الأمن لتعديل مشروع القرار بما يحقق الضمانات المقبولة للبنان.
ومن الضروري تنبيه هذه الانظمة الى أن الحرب الاهلية اذا ما فجّرها قرار دولي ظالم وأشوه، لم تستطع منعه أو تعديله، سوف لن تظل محصورة في لبنان بل هي ستمتد الى العديد من الاقطار العربية، بعيدها والقريب، لان المسؤولية العربية ستكون واضحة وضوح الشمس: انها انحازت الى اسرائيل ضد المقاومين الابطال الذين يمثلون نخبة من شباب لبنان المؤمنين بحقوقهم في وطنهم.. بل وضد الامنية العزيزة على قلوب مواطنيها جميعا، وعلى اختلاف مشاربهم.
بل ان هذه الانظمة ستكشف عوراتها جميعاً وستتبدى وكأنها تفضل انتصار اسرائيل على المقاومة، فكراً وعملاً، ولو بعيداً عن أرضها..
وهذه جريمة قومية لن تستطيع هذه الانظمة التخفيف منها مهما حاولت تشويه صورة المقاومة في لبنان وإنجازاتها العظيمة، وبالتالي فإن شعوبها ستحكم عليها حكمها على اسرائيل التي كانت وما زالت وستبقى: العدو، بأل التعريف.
طلال سلمان