لم تستطع إسرائيل، بكل جبروت قوتها، أن تلحق بفلسطين، شعباً وقضية وحلماً بدولة، ما ألحقه الصراع على السلطة بين مؤسستي الرئاسة والحكومة من تشويه وتدمير للرصيد النضالي العظيم لشعبها، وهو المتصل بلا انقطاع منذ سبعين عاماً على الأقل، وبقوافل من الشهداء كتبوا بدمائهم مسيرة فذة وغير مسبوقة في التاريخ.
… وهو صراع عبثي، من حول أوهام هي خليط من المضحك والمبكي!
إنه مشهد كاريكاتوري يتجاوز حدود المأساة، هذا الذي يُراد له أن يكون صورة فلسطين اليوم: رجال السلطة بأجهزتها المختلفة، وهي عديدة ومتعددة الولاءات، الخائفون على السلطة والخائفون من السلطة ، وأولئك الذين كانوا نذروا أنفسهم للجهاد من أجل التحرير، والذين شدهم إغراء السلطة فسحبهم من ميدان المواجهة مع العدو إلى ميدان المنافسة مع الخصم .. كل أولئك في الشارع يتواجهون بالسلاح، ويتنافسون من منهم يلحق مزيداً من الأذى بتاريخ شعبه، من يدمر هذه المؤسسة، ومن يحرق تلك، ومن يؤكد سيطرته على الشارع ولو باللجوء إلى الأساليب الإسرائيلية.
.. وكل ذلك يجري بينما طائرات العدو الحربية تتصيّد المجاهدين، وتطارد من ذهب بعائلته إلى الشاطئ لكي يتنفس، فتقتل الرجال والنساء والأطفال، ولا سيما الأطفال.
بل إن الغارات الجوية، فضلاً عن القصف المدفعي لتصيّد المجاهدين، قد تزايدت عدداً وتعاظمت وحشية، في ظل الصراع بين السلطتين اللتين لا تملكان من أمرهما شيئاً، واللتين انشقتا فتواجهتا متسببتين في دفع الفلسطينيين عموماً، إلى وهدة اليأس… مع ذلك فلم يتنبّه المسحورون بإغراءات السلطة الوهمية إلى أنهم إنما يوجهون رصاصهم إلى نضالات الأجيال، إلى قوافل الشهداء الذين رووا أرض فلسطين بدمائهم، إلى أرامل وأبناء الذين قضوا من أجل حلم التحرير، إلى كرامة شعبهم ورصيده العظيم الذي جاءه باحترام شعوب العالم، وقدمه كنموذج فذ لانتصار الدم على السيف..
أي سلطة هذه التي يتصارع عليها هؤلاء الذين يقدمون لعدوهم الإسرائيلي أجلّ الخدمات، فيكادون يظهرون شعبهم وكأنه لا يستحق الحرية وليس مؤهلاً بعد للاستقلال وإقامة دولته؟!
السلطة ضد السلطة. الرئيس المنتخب (ديموقراطياً) ضد الحكومة المنتخبة..
الاستفتاء ضد الانتخاب.
حصار الداخل أقسى من حصار الخارج، وإلى جهنم الديموقراطية وبئس المصير (عند من فرضوها شرطاً للاعتراف بالسلطة، رئيساً وحكومة)..
المنظمات ضد الشعب. وأهل السلطتين يشتركون في الاساءة إلى سمعة فلسطين وتاريخ نضالها. غزة ضد الضفة الغربية. الخارج في مواجهة الداخل. إسرائيل مع الرئيس تبعث إليه بسلاح منها (علناً) لتضمن تفوقه على حكومة حماس التي كان فوزها في الانتخابات مفاجأة لها قبل غيرها فأثار شبقها إلى الحكم، وجعلها تستهين بالقيود الثقيلة التي ستفرض عليها فتلغي ماضيها ولا تمكنها من ان تكون في المستقبل.
أي سلطة و الرئيس يستعدي العالم، وإسرائيل بالذات على حكومته ومعها أجهزته الأمنية العديدة، وقيادات فتح المثقلة بالتشوهات والغارقة في الفساد من قبل الدخول وتسلم السلطة بشروط اتفاق أوسلو المذلة؟!
أي سلطة هذه التي يتصارع، بل ويقتتل عليها التنظيمان الحاكمان ، فيقدمان لعدوهم الإسرائيلي الخدمة المستحيلة: محاولة تصويره ارحم بالفلسطينيين من السلطويين الفلسطينيين، وأقل إضراراً بقضيتهم منهم، إذ يؤكدون ادعاءاته بأنهم غير مؤهلين بعد لأن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، ولا يستحقون أرضهم ولا حتى بالشراكة مع الإسرائيلي في أسطورة الدولتين؟!
إن الطرفين المصطرعين على السلطة، وبغض النظر عن التمايز في الطروحات، إنما يشتركان في توجيه رصاصهما إلى صدر فلسطين، وكلاهما يصيبها حيث لا يمكن ان يصيبها الإسرائيلي..
حتى في لبنان المنقسم على نفسه من فوق إلى تحت، بالطوائف والمذاهب، والأكثريات والأقليات، وبصراعات الدول عليه بحثاً عن توطيد مواقع نفوذها في المنطقة جميعاً، أمكن الوصول إلى صيغة تحفظ وحدة البلاد حتى مع انشقاق السلطة بكل مؤسساتها… فلقد سلمت الأكثرية المنتخبة، بالرئيس الممددة ولايته (دستورياً) عندما عجزت عن خلعه، مع استمرار توجيه الاتهامات إليه بأخطر الارتكابات.
أما في فلسطين المشطرة أرضها، والممزقة وحدة ترابها بالاحتلال، والمدمر اقتصادها لا سيما بعد منع المساعدات والمعونات، وحتى التبرعات، من الوصول إلى سلطتها المنشقة على ذاتها فإن الذين يقتتلون اليوم إنما يأكلون لحم شعبهم نيئاً.
.. مع التحية لوزير السياحة الذي استقال… لكي يحفظ فلسطينيته؟