طلال سلمان

بين مسرح ديموقراطي في بيروت ومهرجانات ترحيب بباراك عربيا

سيغرق لبنان، وعلى امتداد اربعة أيام تلفزيونية طويلة في طوفان من الكلام، سبقته وسترافقه حملة تشويق اعلانية تشابه الحملات الخاصة بالأفلام الجنسية او حفلات المصارعة او »مباراة الموسم« في كرة القدم بين الفريقين الأكثر »استنهاضاً« للحساسيات الطائفية او المذهبية.
سيتوالى الخمسون او الستون من الخطباء النواب في الوقوف امام الكاميرات، وهم بكامل الأناقة ملبساً ونصوصاً، لعلهم يعوضون الغياب الطويل عن الإعلام، والتقصير الفاضح ازاء ناخبيهم، في مجال الخدمات، اما »الواجبات« فمؤداة على اكمل وجه…
بعضهم، وهم قلة، سيتحدث بالأصالة عن نفسه،
اما معظمهم فيتحدثون بالوكالة عن الغير، سواء اكان هذا الغير »كتلة« وهي في الغالب الأعم اسم لغير مسمى أم »شخصا« لا يرغب في التصدي مباشرة، او هو يعرف انه غير مرغوب فيه، ولو صورة على شاشة، فيحتجب منعا للاستفزاز تاركاً من تكتلوا معه او عنده او خلفه، يقولون بعض ما يسمح المقام بقوله.
بالمقابل ستكون حكومة ال16 مستنفرة، كما »الفرقة 16«، للرد على كل اتهام بأقسى منه، وكل تنديد بالتقصير، بالكشف عن ملف مخبوء يرد تهمة التقصير والقصور الى مطلقيها من جماعة العهد الماضي… فالعجز موروث، والدين موروث، وانخفاض معدل النمو حتى الاندثار موروث، والخلل الاداري موروث، والارتباك القضائي موروث، والمحاسبة يجب ان تتوجه الى المسؤول عن »التركة الثقيلة« وليس الى هؤلاء »الفدائيين« الذين انتدبهم الوطن لإنقاذه فهبوا هبة رجل واحد، واندفعوا لانتشال لبنان من بئر الفقر والضائقة الاقتصادية بحبال من الضرائب، جديدة، وجنازير الخصخصة، وهي أجد، وهم ماضون في »خدمة العلم« بلا كلل حتى الانتخابات النيابية وربما الى ما بعدها، وليمت بغيظهم الحاسدون!
هكذا سيكتشف اللبنانيون بالصوت الحي والصورة الملونة ان لديهم مجلساً للنواب ومجلساً للوزراء وحكما وخطوط تماس… كما في برلمانات الناس!
صحيح ان موضوع »العركة«، أي الموازنة، لا يستحق كل هذا العناء، فما كتب من الارقام قد كتب، امس، وقبل سنتين، وقبل اربع سنوات، وقبل ست، وما عدّل تعديلا. ثمة تفاصيل واضافات »بسيطة« تفرض نفسها، فتلحظ في الاحتياط (الذي لا احتياط له)، او تُخفى مؤقتاً حتى لا تكشف النسبة الحقيقية لعجز الموازنة (وهي حيلة تقليدية مألوفة لجأت اليها الحكومات السابقة كما ستلجأ اليها الحكومة الحالية).
لكن الصحيح ايضاً ان »العركة« مطلوبة لذاتها، فهي الدليل الحسي الوحيد على وجود الديموقراطية.
الوزراء يعرفون ان النواب لن يصلوا في التحدي الى حد طرح الثقة، والنواب يعرفون ان الوزراء يعرفون، والكل يعرف ان الشعب يعرف، ومع ذلك يتواطأ الجميع حتى يمكن تقديم المسرحية كاملة وفي جو شبه واقعي!
لا بد من براعة في التمثيل لتمرير قصيدة الديموقراطية وانطلاقاً من قاعدة ان »اعذب الشعر اكذبه«!
وسيكون »عبور« الموازنة دليلا على عافية الديموقراطية في لبنان!
هي فرصة من الهموم الثقيلة، كمثل متابعة حركة ايهود باراك ولقاءاته العربية التي تؤكد بعض المزايا النبيلة لدى الحكام العرب، وأبزرها »التسامح« و»الجنوح«، الى السلام طبعاً، وتساميهم عن الخصومات والاحقاد والاغراض الدنيئة، ومتع الدنيا الفانية كالارض وحقوق اهلها فيها، والسيادة، واستقلال القرار، والتشاور والتلاقي في ما بينهم والذي قد يبدو تواطؤاً مذموماً ومرذولاً على هذا »الصديق الجديد« الآتي اليهم من ليل العداوة الطويل، والذي يفرض عليهم الواجب اغاثته باعتباره ملهوفاً، وطمأنته من خوفه، وتكريمه بدعوته الى التطور واصطحابه الى المطار، وتقديم »الحل النهائي« هدية او عربون تقدير او رداً للجميل اذ انه خصهم بلقاءاته الاولى وقدمهم حتى على الرئيس الاعلى (لهم جميعاً؟) بيل كلينتون!
لا ضرورة لسوء الظن او الاخذ بالتقولات والتي تظهر كل لقاء منفرد لباراك مع طرف عربي تآمراً على الاطراف العربية الاخرى، فلكل مسار خصوصيته، وأهل المسار ادرى بالذي فيه!
ولا ضرورة للاخذ بالتنظيرات المترسبة من الزمان الذي مضى، والتي كانت تقول إن مصر، بالذات، تأخذ حقها في القيادة من التزامها بدورها القومي كمركز للنضال العربي، في مواجهة »أعداء« العرب، أو المخاطر التي تتهدد العرب،
لم يأتها هذا الدور، مرة، ولا يمكن أن يأتيها من إسرائيل أي من العدو، الذي سيبقى عدوا وقوة وافدة وطارئة على الوطن العربي، تهدده وتحاول الهيمنة عليه ومصادرة إرادته وموارده، حربا أو سلما (بشروطه).
… وان فلسطين هي القضية العربية، المعني بها والمسؤول عنها كل العرب في مختلف أقطارهم، فإذا صارت سلطة شرطة على شريط ضيق من الأرض وعلى حطام الربع من الفلسطينيين، بينما أكثر من خمسة ملايين منهم تمنع عنهم الهوية والعودة والانتساب ولو بالحنين أو الذكريات إلى فلسطين… وإذا صارت كذلك لم تعد »قضية«، ولم تعد تعني أحدا لا داخل الوطن العربي ولا خارجه بمدى الكون، إلا إسرائيل وكمشكلة أمنية محتملة: يسقط الوطن والشعب وحلم الدولة وتندثر الهوية القومية وإمكان الانتفاض أو الاعتراض، والحقوق الوطنية المشروعة في الأرض عموما، والعودة خصوصا، وفي القدس مدينة فلسطينية عربية على وجه التحديد.
إن الترحيب العربي الحار الذي لقيه ويلقاه إيهود باراك من طرف كثير من الحكام العرب (وبينهم صاحب المغرب المغتبط بأن بضعة من وزراء الحكومة الإسرائيلية الجديدة هم من أصل مغربي) ستضيف مزيدا من الصعوبات الى المفاوضات المفترضة على المسارين اللبناني والسوري.
ومن حق السوريين واللبنانيين ان يعتبروا كل هذه »التسليفات« العربية لباراك إنما تُحسم من رصيدهم العربي، وتكاد تكون إضعافا مقصودا لموقفهما الصعب بما يكفي في مواجهة هذا الآتي الى الحكم محمولاً على تاريخه العسكري الدموي، وعلى أسطورة انه بطل السلام الموعود!
ما لنا ولهذه التفاصيل،
لقد بدأت الجلسة بمطرقة تطلب الوقوف حدادا على من مات من النواب، ولو سابقين، في فترة العطلة الإجبارية في انتظار الانتهاء من وضع الموازنة، ثم من وضع الخطة التي استحالت رؤية فانقلبت برنامجا وهي ما زالت مرشحة لمزيد من التحولات، ثم وأخيرا في انتظار اختتام المناقشات في اللجنة المالية.
الحداد يليق بهذا الاستعراض الكلامي الذي سيمتد أياما،
لنعتبره واحدا من مهرجانات الصيف التي تتوالى على مسارح جبيل وبيت الدين وصور وبعلبك وأنحاء أخرى،
أو فلنعتبره اسكتشا هزليا جديدا ينافس فيه »الهواة الجدد« »مسرح الساعة العاشرة«… وقد نضحك لهم ومعهم ومنهم أكثر، باعتبار ان شر البلية ما يضحك،
ويا ليت وزير الثقافة يضيف هذا الاستعراض الغنائي الراقص والمتراقص، المموسق والمنغم حينا، والايمائي حينا آخر، الى برامج »بيروت عاصمة ثقافية«.
ومسرح باراك، بلقاءاته العربية الغنية بالنتائج، أولى بالمتابعة، وان كان أكثر »واقعية«، وأكثر إيلاما!
طلال سلمان

Exit mobile version