حين دخل الجنرال اللنبي القدس، بعد هزيمة الأتراك وحلفائهم الألمان في الحرب العالمية الأولى، قال كلمة ذات دلالة جارحة: الآن انتهت الحروب الصليبية.
… وحين دخل الجنرال غورو دمشق، بعد هزيمة مشروع «الثورة العربية» ومملكة فيصل الأول، توجه إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي لكي يعلن بزهو المنتصر على تلك القلة من المقاتلين الأبطال: ها قد عدنا يا صلاح الدين!
لا يمكن الفصل بين هاتين الجملتين المصكوكتين بعناية من يصنع تاريخاً جديداً للمشرق العربي في غياب أهله وبين المشروع الصهيوني الذي كان قد اتخذ صياغته النهائية في مؤتمر بال (1897)، ولا بين هذا المشروع ومعاهدة سايكس ـ بيكو بين البريطانيين والفرنسيين لاقتسام المشرق (1916) ثم وعد بلفور الذي كان بمثابة الدخول في التنفيذ، على الأرض، لإقامة الكيان الإسرائيلي فوق أرض فلسطين.
قد يقول البعض: ذلك حديث في الماضي، والماضي تاريخ يسكن بطون الكتب.
لكن المشروع الإسرائيلي صار هو «الحاضر» وقد يكون «المستقبل» ملغياً المشروع العربي الذي لم يتسن له أن يتكامل، ولا أن يجد أرضه…
وكان ضرورياً أن تمّحي فلسطين تماماً من على الأرض، ومن الذاكرة، ومن التاريخ، عائدة إلى مساحة غير محددة بين الحلم والوهم، تحت ضغط العجز، ليستتب الأمر لإسرائيل فتتوسع مساحة وتتعاظم قوة في حين يتهاوى العرب مستكينين إلى عار الهزيمة في ظلال كياناتهم الهشة وأنظمتهم الهاربة من الميدان في طلب السلامة بينما شعب فلسطين ينتشر في الشتات في أربع رياح الكون.
ولقد وجدت «السفير» من واجبها أن تضيء شمعة لفلسطين بدل أن تلعن الظلام العربي والاستسلام في ظل القهر الإسرائيلي.
ملحق «فلسطين» جهد متواضع، سيصدر شهرياً، بطموح أن يجمع من تفرّق من العرب وما تمزّق من وشائج صلة الرحم بفلسطين ـ القضية التي تستعصي على الموت، وأساساً أن يجمع الفلسطينيين في مختلف «مهاجرهم» وديار لجوئهم، العربية منها، وتلك البعيدة في القارات الخمس.
بعض الطموح أن يكون هذا الملحق جرساً ينبّه الغافلين إلى أن لا مستقبل لأي عربي مشرقاً ومغرباً في ظل المشروع الإسرائيلي.
وبعضه الآخر أن يكون هذا الملحق أرض تلاق بين أصحاب الرأي والدارسين والمعنيين بمواجهة المشروع الإسرائيلي لأن هذه المواجهة شرط ولادة للغد العربي الذي لن يكون من دون فلسطين وشعبها.
ولقد اخترنا أن نصدره في الذكرى الثانية والستين لقيام إسرائيل ـ الدولة، في محاولة للتأكيد أن فلسطين ليست الأرض فقط، وليست الماضي فحسب، بل هي الأمة والمستقبل.