لم تكن تنقص المرحلة الثانية من الانتخابات النيابية، والتي جرت أمس في جنوب لبنان (بمحافظتيه)، »الرمزية« التي تحكم نتائجها إلى حد بعيد..
فلن يستطيع إنسان إلا أن يتوقف أمام موعدها الحزيراني الذي يتزامن مع الذكرى الثالثة والعشرين للاجتياح الإسرائيلي للبنان، وقد بدأ من الجنوب وامتد إلى العاصمة بيروت حيث أنتج بعض ثماره المرة سياسياً، وهي قد جددت الحرب الحروب الأهلية العربية الدولية فيه لعشر سنوات أخرى تقريباً..
(ولننسَ، مؤقتاً، الذكرى المرة الأخرى عن الهزيمة العربية الشاملة أمام العدو الإسرائيلي في 5 حزيران 1967..)
كذلك فإن هذه الجولة الثانية من جولات الانتخابات النيابية قد جرت في مناخ الذكرى الخامسة لتحرير الجنوب بالمقاومة، أي بدماء المجاهدين البواسل، معزّزة بالدعم السياسي الرسمي لبنانياً وسورياً (وإيرانياً) وبالصمود البطولي لشعب لبنان بطليعته الجنوبية..
.. وهو مناخ قد تعرض لبعض رياح السموم، في الفترة الأخيرة، أي بعد صدور قرار مجلس الأمن (1559) عشية فعلة »التمديد« التي وفرت له »الذريعة« للتدخل و»الجمهور السياسي« المستعد لقبولها واعتمادها في نقض التسليم بشرعية المقاومة، والقبول بمبدأ مناقشة سلاحها وكأنها بالفعل »ميليشيا«، ينقض استمراره في يدها وجود الدولة ويهدد مواطنيها!
ثم كان الزلزال مع جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي طالما شكّل بموقفه الرسمي فضلاً عن الشخصي ضمانة إضافية للمقاومة وشرعيتها، حتى يومه الأخير، مع التذكير دائماً بدوره المميز في »تفاهم نيسان 1996« الذي انتزع لهذه المقاومة بفضل الدعم السوري والإيراني المفتوح والتفهم الفرنسي إقراراً دولياً بشرعيتها يحمل تواقيع الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا إضافة إلى إسرائيل..
(أليس من المفارقات أن يكون قرار مجلس الأمن 1559 قد صدر بمبادرة غير ودية وغير مفهومة تماماً، من فرنسا، التقطتها الإدارة الأميركية وذهبت بها إلى مجلس الأمن لإضفاء الشرعية الدولية عليها بذريعة »تأديب« سوريا والضغط عليها للخروج من لبنان.. مع القفز عن »إنجازهما« التاريخي قبل ثماني سنوات والذي نفى عن المقاومة صفة الميليشيا، وكاد يقدمها على الدولة في لبنان..)
* * *
في انتخابات الجنوب كان يستحيل تعطيل »الذاكرة«، وبالتالي كان يستحيل أن يتعامل الجنوبيون مع عملية الاقتراع وكأنها مجرد مفاضلة بين أشخاص المرشحين. حتى الانتماء الحزبي لهؤلاء بات معياره مرتبطاً بالماضي، بما هو »بطاقة انتساب« إلى مقاومة الاحتلال، والدفاع عن الأرض وناسها، أكثر منه وعداً بمزيد من الخدمات المحلية ومشاريع الإنماء التي كان التحرير يوجبها »فرض عين« لكن الوعود والتعهدات تبخرت مع نهاية الاحتفال بذلك اليوم الأغر الذي صار عيداً رسمياً بشكليات مسيئة وكفى الله المؤمنين…
للتحرير في الجنوب قداسته الوطنية، أيضاً.. فالإسرائيليون الذين خرجوا، بالأمس فقط، ما زالوا على مرمى النظر، وسلاحهم الهائل في أيديهم، ومشروع هيمنتهم معلن. للخطر هنا رائحة الدم. ليس الحديث عن المخاطر التي تتهدد الجنوب والجنوبيين مجرد تقدير سياسي، أو استكشاف لاحتمالات قد تقع وقد لا تقع. ومجلس الأمن ليس مصدر الشهادة بالوطنية، وقد فقد في نظر أهل الأرض من بسطاء الناس صفته المرجعية. إنه يتحدث عنهم وكأنهم أعداء سلام في وطنهم وليسوا محرريه، أو كأنهم ضد الديموقراطية والحرية والسيادة وليسوا من أبطالها.
وبالتالي فقد كان على الجنوبيين أن يقولوا كلمتهم بأعلى الصوت، وبما يشبه الإجماع، وبمعزل عن أشخاص المرشحين… (وكان محتماً أن يدفع مقاوم ممتاز مثل أنور ياسين ضريبة إضافية، لأنه كان يربط بين المقاومة التي تحفظ الأرض وتحمي الوطن، وبين حقوق المواطن المقاوم في وطنه. لقد وصل الفرز في الوقت غير المناسب..).
الحساب مع »النواب« مرجأ، حتى لو كان التقصير في مجال الخدمات فاضحاً، وفي اختيار أهل الإدارة سيئاً ومعيباً. الحساب بحت سياسي الآن، وعلى الموقف لا على الخدمات. لا مجال لترف المقارنات وطلب الكمال في ظل ضرورات المواجهة (كأنما الموظف الرديء يصير مقاتلاً ممتازاً إذا دق النفير)..
ما علينا من النقد الآن، لنتذكر القرار 1559، وما يدبر في بيروت بطلب من العواصم البعيدة وبضغط منها، لمستقبل المقاومة في لبنان (بعد تحريره من الهيمنة السورية) بل ولمستقبل لبنان ذاته..
لقد قالت بيروت »نعم« للرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي بذل دمه على مذبح السيادة والاستقلال (وينسون المقاومة!!)..
وها هو الجنوب يقول »نعم« لشهداء الأمس الذين يجهرون بأنهم أعدوا أنفسهم للشهادة غداً، في مقاومة مشروع ضرب الحرية والاستقلال والسيادة بقرار التدخل الدولي.
ذلك أن هذا القرار الدولي قد يكون مطلباً، في جهات أخرى من لبنان، وقد يتحكّم في اختيار »نواب« تلك المناطق الطوائف… فلكل جهة من هذا الوطن الصغير شعارها الذي يحكم صوتها الانتخابي، ونادراً ما تلتقي الشعارات!
* * *
… وإنه لسؤال شرعي يفرض نفسه في هذه اللحظة الانتخابية: كم سيكون عدد النواب المؤيدين لتنفيذ القرار 1559، وكم سيكون عدد معارضيه؟!
وثمة سؤال إضافي: كم من النواب سيكونون »أبناء شرعيين« لهذا القرار الدولي، والذين ربما رأوا فيه أو طلب إليهم ان يروا فيه أقصر الطرق لتحقيق السيادة والاستقلال؟!
ذلك ان الانتخابات النيابية، بجولاتها المتلاحقة زمنياً، والمظلّلة جميعاً بالشعارات الفخمة التي تشمل إلى الحرية والسيادة والاستقلال المقاومة والتنمية، تكشف حجم الافتراق في التوجهات السياسية بين المناطق والطوائف (وهي أحياناً تتداخل حتى تكاد تكون واحدة) حتى ليبدو وكأن كل منطقة طائفة، »دولة« أو »أمة« قائمة بذاتها، وأن الرباط الجامع بينها اضطراري لا مهرب من التسليم به تحاشياً للدخول في المجهول… سواء أكان هذا المجهول » الفتنة« أو »فيدرالية الطوائف« تحت ظلال القرار الدولي 1559، الذي تبدى لكثيرين وكأنه اطلاق نفير للحرب الأهلية في لبنان، سواء بمفاعيله الداخلية المباشرة أو بشقه الفلسطيني أو باستثماره لسوء الإدارة السورية للشأن اللبناني من أجل تلغيم العلاقة بين الشعبين الشقيقين.
ففي هذا الوطن الصغير عظيمة هي الاشكالات والخلافات والاختلافات التي تتحكم بعواطف أهله (ومناطقه!!)… والانتقال من جولة انتخابية إلى أخرى (إذا ما استبعدنا الكاريكاتور وزجليات الفولكلور اللبناني) يكاد يعادل الاغتراب داخل البلد الواحد..
في لحظات يتبدى وكأن اللبنانيين يقترعون ضد بعضهم البعض، لكأن كلاً منهم وعينه على خيار الآخرين، فإن ذهبوا شمالاً ذهب يميناً وبالعكس..
والتجوال بين الشعارات المرفوعة في المناطق (المتداخلة) للوائح بين المتنافسين يكاد يشعرك انك إنما تتجول في قارة تتكون من دول عدة ومناخات عدة يربط بها الأمر الواقع أكثر مما يربطها الشعور بالوحدة باعتبارها ضرورة حياة، وباعتبارها طريق المستقبل وليس ارثاً ثقيلاً محمولاً بالاضطرار!.
* * *
الانتخابات النيابية في لبنان دولية بالكامل. حتى تفاصيلها المحلية جداً تنزلق، فجأة، لتصب في نهر التدويل الذي يتبدى وكأنه سيفتح أبواب المجهول أمام اللبنانيين المترفين بنعمة الديموقراطية.
ليس انها تجري بقرار دولي منع الاعتراض على القانون الأعرج، وفرض التقيد بالموعد وكأنه »مقدس« لا يأتيه التأجيل من خلفه ولا من قدامه،
وليس انها تجري تحت رقابة دولية تعددت فصائلها وفرقها سواء منها المستورد أو المحلي، والتي اتيح لها ان تتعرف على »غرائب المخلوقات« في هذا البلد البلا داخل، وهذه الدولة قيد التأسيس، منذ قيامها وحتى الساعة (حتى لا نقول: حتى قيام الساعة!!)..
وليس ان قادة الدول الأعظم والأكبر يتابعون تفاصيلها، على مدار الساعة، ويحفظون أسماء الاقطاب، ويتصلون بالمرجعيات والقيادات المؤثرة، مباشرة أو بالواسطة،
بل لأنهم يراهنون على امكان استخدام نتائج هذه الانتخابات في حركتهم التالية تجاه لبنان، من ضمن خطتهم للمنطقة التي يمكن قراءة عناوينها على الأقل في العراق المضيعة وحدته وهويته بعد استقراره، وفلسطين المضيع مستقبلها بعد حاضرها المغطى بدمها.
على أن ثمة أملاً يمكن ان تعززه النتائج النهائية لهذه الجولات الانتخابية: ان تأتي بأكثرية تلتزم اتفاق الطائف طريقاً إلى إعادة صياغة السلطة، وتحصين لبنان في وجه التدخل الدولي، وترميم ما تم تخريبه من مشروع سلمه الأهلي سواء بسوء ممارسة السلطة أو بانهيار الإدارة السورية وانسحابها الاضطراري بطريقة آذت اللبنانيين بقدر ما آذت سوريا ومستقبل العلاقة بين الشعبين الشقيقين.
ان القاسم المشترك بين انتخابات بيروت وانتخابات الجنوب، وقد حكمهما معاً دم الشهادة من أجل حرية لبنان وعروبته واستقلاله، هو اتفاق الطائف، باعتباره »مخرج النجاة« من المأزق الذي استولد مآزق عدة قد تتحول إلى كوارث مستقبلاً.
فالناخب الجنوبي يعرف، مثل الناخب البيروتي، ان ما نفذ من اتفاق الطائف لم يكن الجوهري من بنوده ومن مضمون تلك البنود، وأن الغرض قد حكم طريقة التنفيذ، في السياسة كما في الاقتصاد والاجتماع والإدارة..
والناخبون، هنا وهناك وفي سائر المناطق، يعرفون ان الاعتصام باتفاق الطائف قد ينقذ أو يخفف من المخاطر المدمرة للتدويل، إذا ما اتخذ قاعدة لإعادة بناء الدولة، وأولها السلطة، وموقعها على خريطة منطقته وعلاقته بأهله فيها، وموقفها من العدو الإسرائيلي، الذي لا يترك فرصة لتجاهله أو للافتراض بأنه قد غير طبيعته أو تخلى عن أطماعه في المنطقة برمتها والتي تتقاطع حتماً مع اطماع الاحتلال الآخر، الأميركي، الذي يظلل الآن معظم الأرض العربية قبل العراق وبعده..
فالدم الفلسطيني يشع بحيث لا يمكن لأي عاقل أن يتجاهله أو يتغافل عن السبب في تفجره في وجه عدوه الإسرائيلي.
.. وصورة الجرافات الإسرائيلية وهي تقتلع زيتون التاريخ وأجداث الأجداد، والدبابات وهي تدمر المدارس وتسحق كراسات الأطفال، وكذلك صور الجنود ووحوش المستوطنين وهم ينهالون ضرباً على النواب العرب، وطليعتهم عزمي بشارة، فضلاً عن صور جدار الفصل العنصري وهو يفصل الأم عن ابنها والزوج عن زوجته والشعب عن وطنه، لا تحتاج إلى من يؤكد عليها.
إن هذه الانتخابات النيابية مطلوب منها ما هو أكثر من العفو عن الماضي، بقوانينه المغلوطة، وجرائمه التي مرّ عليها الزمن.
إن المطلوب منها أن تأتي بمجلس نيابي يمكن أن يباشر التأسيس لدولة تقوم على وحدة صلبة تملك دليل عمل ممتازاً لها اسمه اتفاق الطائف..
فهل يمكن أن نأمل بالعفو عن هذا الاتفاق الذي نفذ أقله وبطريقة انتقائية فلا قامت دولة ولا تمّ تحصين الوحدة الوطنية بما كان يمكن أن تشكل قوة طاردة للتدخل الدولي..
على أمل ألا تجيء نتائج الجولات الانتخابية التالية بما ينسف هذا الأمل.. المتواضع!.