يعرف لبنان، بواقع تجربته، أن الدول الصغيرة محكومة بالاعتدال، وبالنأي بنفسها عن صراع »الكبار« و»الأقوياء«، لا سيما متى كانوا جيرانها، فالتطرف مهلكة خصوصاً لمن تحميه التوازنات الدقيقة، إقليمياً ودولياً.
وتعرف الكويت، كما يعرف لبنان، أن »الدور« لا يقرّره »الحجم« بل تقرّره الكفاءه والنزاهة والمبادرات الخيّرة، والإفادة من الاعتدال لاكتساب الأهلية في إصلاح ذات البين بين الأشقاء إذا ما تباينت بينهم المواقف أو تعارضت المصالح في لحظة محددة، نتيجة جموح عصبية معينة أو أطماع حاكم فرد تأخذه دكتاتوريته إلى تدمير بلاده والتسبّب في ضرر بليغ لأمته جمعاء.
ولفترة طويلة حظيت الكويت بمكانة مميزة بين العرب أهّلتها لأن تلعب دوراً أكبر بكثير من حجمها، بل هي قد حلّت محل دول عربية كبرى في العديد من حالات التأزم التي احتاجت وسيطاً نزيهاً، ثقةً من المجتمع العربي بأنها بريئة من الغرض، تحفظ الود للجميع وتسعى لخيرهم، وتُيسّر لها إمكاناتها المادية أن تساعد حيث تدعو الحاجة.
كان المواطنون العرب، وبينهم أعلام في تخصصاتهم وكفاءات بارزة ومهنيون جديون، يقصدون الكويت ويبذلون عرقهم فيها وهم يشعرون بأنهم إنما يسهمون في بناء بلادهم، بل إن بينهم من حلم بأنه يساهم مع أهل تلك الأرض التي كانت صحراء فأغناها الله بخير وفير، وحكم مستنير، في بناء »الإمارة الفاضلة« بعمارتها ومرافقها العامة، من الجامعة الى المدارس ومن المستشفيات الى المكتبات، ومن الإعلام إلى المسارح والمراكز الثقافية، ومن المتاحف والنوادي الى ذلك النمط الخاص من الديموقراطية المرتكزة على مألوف العادات العائلية واعتراف الكل بالكل وإن اختلفت التوجهات السياسية.
أما الدول العربية فقد حفظت للكويت مبادراتها ومساعداتها التي كانت تؤكد الأخوّة ووحدة المصير، بغير منة أو استغلال الدعم لغرض سياسي.
… وكان أن غزا صدام حسين الكويت متسبباً في إحداث أخطر شرخ في العلاقات العربية العربية.
كان الزلزال عنيفاً تصدعت معه روابط الأخوة والتعاون وانقسم حوله العرب الى معسكرين متواجهين بالسلاح، وكانت الأكثرية ترفض هذا الاجتياح العسكري غير المبرّر والذي أدى الى مسلسل من الكوارث لعل أخطرها هذا الاجتياح الأميركي للعراق.
ومن أسف أن مشاعر الثأر من صدام حسين قد دفعت الكويتيين الى اعتبار أي معترض على الاحتلال الأجنبي للعراق وكأنه خصم للكويت، حتى لو كان بين من قاتل إلى جانبهم ضده أو تعرض لأذى ذلك الدكتاتور قبلهم ثم معهم، وفي الطليعة شعب العراق العظيم.
بل ان بعض التصرفات والكتابات والتصريحات أخذتها الحدة بعيداً عن المنطق، فكادت تستعدي على الكويتيين أخوانهم الذين ناصروهم وما زالوا في صفهم من دون أن يحولهم هذا التعاطف الى خصوم للعراقيين المبتلين الآن بمحنة الاحتلال اضافة الى التدمير الذي اصاب الدولة، وبغير ان ننسى الجراح القاسية والنتائج المريعة لمظالم الحصار التي عانى منها شعب العراق طويلا وسيعاني بعدُ لجيل او جيلين آخرين.
وليس من قبيل التمنين او التباهي بأداء الواجب، ولكن في سياق »وذكر… فان الذكرى تنفع المؤمنين« فان لبنان الرسمي
ومعظم قواه السياسية، ومعظم منابره الاعلامية، كانت ضد اجتياح صدام حسين الكويت، ليس فقط بدافع التعاطف مع الاخوة الكويتيين ولكن كموقف مبدئي اساساً، فلا تكون »الوحدة« بالمدافع ولا تتحقق قوة العرب بغزو بعضهم البعض.. وكذلك بدافع الحرص على الاخوة العراقيين، فلم تكن ثمة حاجة الى عبقرية لكي يستنتج اي ذي بصر (فضلا عن البصيرة) ان الاجتياح سينتهي بكارثة عربية، تصيب العراق وسائر العرب بقدر ما اصابت الكويتيين واكثر.
وها نحن اليوم نفقد العراق بعد فلسطين، ونفتقد وحدة الموقف بل وحدة الصف العربي، ونكاد نخسر آخر اطار جامع ممثل بجامعة الدول العربية.
لقد تحكمت المرارة والعصبية وروح الثأر في التصرفات والتصريحات احياناً، في حين ان الحوار الرصين والهادئ واستعادة روح التضامن هما طريق اجباري الى علاقات عربية صحية تفيد كل دولة في حاضرها وتفيد كل العرب في مستقبلهم، بل في مصيرهم فوق ارضهم.
ان الاميركيين في العراق قوة احتلال، بمعزل عن التبرير. هم لا يخجلون من هذا التوصيف بل ويستخدمونه، وكذلك البريطانيون. وليس ذنب الكويت ان تكون أخطاء حاكم العراق الساقط قد أدت الى هذه النتائج، لكن الكويتيين ليسوا مسؤولين عنها وليسوا شركاء للمنتصر.
والعراق باق جاراً كبيراً للكويت، لن تخسف به الارض، ولن تنقطع اواصر القربى بين اهله واشقائهم الكويتيين.
وليس لصدام حسين بين العرب مثل تلك الشعبية التي توهمها بعض الكويتيين، وفيهم اهل قرار واهل رأي.
وقد استغرب العرب هذه الحدة في الرد على كل من أدان الاحتلال الاميركي للكويت.. خصوصاً وقد تابع العرب، على امتداد عقود، كتابات لصحافيين واهل رأي كويتيين، فيها آراء متباينة قد تؤكد موقفا لدولة عربية وقد تعارض مسؤولا عربياً وقد تدين حاكماً، واعتبروا ذلك دليل صحة على حالة الديموقراطية في الكويت تشتد حاجة العرب اليها.
لقد آن للكويتيين ان يبرأوا من عقدة من تخلى عنه اهله في لحظة شدة، والتي تستولد مرارة كثيفة، تأخد الى الخلط بين الشقيق المحب والاجنبي الطامع.
وآن لهم ان يتخلصوا من وهم ان الآخرين لا يحبونهم وانما ينافقونهم لانهم يطمعون في خيرهم.
لقد انتهت حقبة سوداء في التاريخ العربي الحديث، لكن نتائجها ستحكم مستقبلنا فتلغي دورنا كأمه، وتبعثرنا ايدي سبأ، ان لم نتخلص من المرارة التي تسد طريق التلاقي بين الاخوة.
لقد استعادت الكويت دولتها التي تبدّت في لحظة وكأنها قد اندثرت،
وها هي تستعيد عافيتها بدليل حرص الكويتيين على مؤسساتهم الديموقراطية، وهم الآن في عز المعركة الانتخابية لاختيار مجلس الأمة الجديد…
ولعل الكثير من التصرفات والكتابات قد جاءت محكومة بمنطق المزايدة أو المناقصة الانتخابية.
ومن الضروري أن يهدأ الكويتيون وأن يستعيدوا علاقتهم بواقعهم وبأخوانهم الذين لم يقصّروا معهم في زمن محنتهم، بدلاً من هذه الحدة التي يتعاملون بها مع أي عربي يحاول إقناعهم بأنه إنما يريد الخير لهم.
ومهمة »الحكومة اللبنانية« الراهنة في الكويت هي ضمن هذا الإطار، ومن الضروري أن يفهمها الكويتيون بأنها تتم بدافع الحرص عليهم كما على العلاقات الأخوية بين الدولتين الصغيرتين الشقيقتين.
وإن كان ثمة ضرورة للمراجعة فهي تشمل بالتأكيد العرب جميعاً، إذ ليس بينهم ملائكة يتحرّكون وسط طوابير من الشياطين.