طلال سلمان

عن اخطاء امنية وتداعياتها سياسية

يبدو لبنان مشغولاً بنفسه، غارقاً في مشكلاته الداخلية، المفتعل منها والفعلي، بأكثر ممّا تسمح به التطورات التي تهز العالم، الآن… أو أن قواه السياسية جميعاً، بالحكم المتعدد الرؤوس والمواقف، والمعارضات المتعددة الأعراق والأغراض، تستعد لتوظيف هذه التطورات، كل بما يخدم أهدافه وطموحاته، بمعزل عما يدبر للمنطقة برمتها ولبنان منها… بل ربما كان التركيز عليه أشد وأكثف، إما لأنه »البوابة« وإما لأنه صاحب التجربة النموذج في انتصار المقاومة (الوطنية الإسلامية) على الإرهاب (الإسرائيلي المغطى أميركياً).
لكأن رياح الحرب الأميركية على أفغانستان قد وصلت إلى بيروت قبل أن يصل إليها الموفدان الأميركيان الآتيان باسمها وعلى جناح »الانتصار« فيها لاستثماره في رسم صورة المرحلة المقبلة، وهي صورة تحتل فيها إسرائيل وأكثر من أي يوم مضى موقعاً حاكماً إذ تتماهى مصالحها مع المصالح الأميركية حتى لكأنها واحدة.
وبقدر ما تلفت الأنظار »عودة الروح« إلى »المعارضات« بعد هدوء طال واستطال لأكثر من ثلاثة أشهر، بل وكاد يتحول إلى »تماوت« مقصود بعد تفجيرات 11 أيلول، فإن »أخطاء« السلطة التي عادت تتكرر، مرة أخرى، على الصعيد »الأمني« موفرة ذرائع ممتازة لانتعاش المعارضات وتلويحها بالنزول إلى الشارع الذي كانت قد أخرجت منه بعنف مبالغ فيه ولا يستخدم في العادة إلا لإحباط مؤامرة انقلابية أوشكت على الوصول إلى باب القصر.
خلال أيام قليلة ارتكبت السلطة عدداً قياسياً من »الأخطاء« القابلة للاستثمار السياسي، بعضها خطير في دلالاته، حتى لو كان المسؤولون عنه »قاصرين« أو »أغبياء« أو »متسرعين« تصرفوا بذعر من يخاف على النظام من ذبابة على وجهه فيرميه بحجر يشج رأسه ويسيل دمه.. عبثاً!
فأما حديث الخلافات الرئاسية فهو مكرر ومعاد، وإن كان له في كل يوم تفاصيل جديدة تتجاوز مساعي المصالحات والضغوط الجدية لفرض »هدنة« طويلة تحت عنوان التفرغ لمواجهة الضغوط الأميركية، على المستوى السياسي عامة وعلى المستوى الاقتصادي بخاصة،
بديهي في هذه الحالة أن تتسابق أطراف الحكم إلى المعارضات المتعددة، يحاول كل طرف فيها أن يسترضي فيستقوي، فتكون النتيجة أن يضعف الحكم جميعاً وتظل المعارضات أعجز من أن تستثمر الخلافات والانقسامات والترضيات ومحاولات الاستقطاب لأسباب تتصل بتعدد منابتها السياسية وبالتمايز البيِّن في أهداف »أقطابها«، لا سيما أن دخول ولاية الرئيس نصفها الثاني يفتح أبواب معركة الرئاسة على مصاريعها.
هنا يمكن إدراج عناوين كثيرة بينها الخلاف على التعيينات، وعلى كيفية مواجهة المصاعب الاقتصادية التي بلغت ذروة الخطر الداهم، وعلى طريقة التعاطي مع الضغوط الأميركية التي تدق أبواب مصرف لبنان بعنف وبإلحاح وتتجاوز الأساسيات إلى التفاصيل.
أما »الأخطاء الأمنية« فإذا كان أبرزها ما جرى في الجامعة اليسوعية ومع رئاستها، فإن أخطرها ما كان يتهدد العلاقة مع الفلسطينيين في لبنان عبر طريقة التعامل مع »تحرشات أمنية« استهدفت مواقع الجيش المحيطة بمخيم عين الحلوة في صيدا.
لقد وفّر الخطأ الأمني مع الجامعة اليسوعية، المتمثل بدخول بعض عناصر الدرك إلى حرمها لإزالة شعارات وتعديات على العلم تشكل »إهانات للرمز الوطني«، ذريعة ممتازة لرئيس هذه الجامعة العريقة، والمعروف بمواقفه السياسية الحادة، لأن يتوجه بالشكر إلى مَن يسّر له »هذه النقطة التي جعلت الكأس يطفح بمائه«،
وإذا كانت السلطة قد ارتبكت في مواجهة الخطأ، فقدمت اعتذارات تُنقص من هيبتها، وحاول كل طرف فيها أن يرمي الآخر »بالجمرة الخبيثة« ليبرئ نفسه، فإن المعارضات وجدتها فرصة طيبة لاستعادة زمام المبادرة في العودة إلى الشارع بشعارات محلية لا تلحقها شبهة الإفادة من الضغوط الأميركية أو استغلال »النصر الأفغاني« الكبير لأغراضها الصغيرة.
إن الاستشهاد بالتدابير البوليسية الصارمة التي اتخذتها »إحدى أعرق الدول الديموقراطية في العالم«، متجاوزة فيها منظومة القوانين والضمانات القضائية لمواطنيها والمقيمين فيها، لا يبرر ما جرى ويجري عندنا وفي سائر »الدول النامية«، حيث الديموقراطية ما تزال هشة العود، ثم إن معارضاتنا أقرب إلى الأميركيين بطبيعة الحال منها إلى أسامة بن لادن وحكومة طالبان (وكذلك الحكم؟).
وفي بلد كلبنان لا يمكن إلغاء السياسة بالأمن، ومرفوض بالمقابل إلغاء الأمن أو إسقاطه في مغامرات الاستثمار السياسي الرخيص.
والسلطة مسؤولة ومطالبة بأن تستوعب المعارضات، وبأن تمنع حصول الأخطاء التي تضعف هيبتها وتجعلها طرفاً، لكي تستطيع أن تواجه الصعوبة الحقيقية التي أطلّت »بشائرها«، على شكل »قوائم« ومطالبات ملحة بفرض الرقابة أو التضييق على مَن يجاهر بعداء إسرائيل، التي ستتكامل صورتها مع وصول الموفدين الأميركيين على جناح »الانتصار« في أفغانستان، والمرشح الآن لأن يستثمر في المنطقة جميعاً… فالعصا تجيء بعد الجزرة دائماً!
أما المخيمات وما يجري فيها ومعها ولها فله حديث آخر.

Exit mobile version