ليس أسوأ من الأخطاء السياسية التي ارتُكبت وتُرتكب الآن إلا تبريراتها التي تؤكد النقص في احترام ما يسمى »الشعب« أو »الرأي العام«، والاستهانة بعقله كما بقدرته على التأثير.
وفي حالتي استقالة رئيس المجلس الدستوري و»تطيير« الانتخابات البلدية والاختيارية، تم تسجيل الادعاء ضد »مجهول«، بعدما تبرّع المجلس النيابي بتبرئة الحكومة وردت الحكومة الجميل فأثبتت طهارة ذيل المجلس النيابي، وهكذا لم يتبق في قفص الاتهام إلا إثنان: الناخب اللبناني ووجدي الملاط.
وفي جلسة الفضيحة، ليل الخميس الجمعة، كان »الشيخ زنكي« هو ضيف الشرف، وقد قام من »قبره« ليصادق على إعادة دفنه من جديد تحية لعبقرية »الأخوة الأعداء« من أهل السلطان.
تصرّف أكثرية النواب وكأنهم »منتحلو صفة« يفقدونها إذا ما جرت انتخابات مختارين في المدن والبلدات والقرى التي جاءوا باسمها لتمثيلها،
وتصرّفت الحكومة وكأنها غاصبة للسلطة، أو كأنها تقوم بعمل انقلابي »شرعي« ضد شرعيتها الأصلية: إذ تتواطأ مع المنتخَبين ضد الناخبين، وتتآمر مع »الوكيل« ضد »الأصيل«، وتلغي بالاستنساب الانتخاب، وتعيد تعليق الوضع المعلّق منذ ثلث قرن لثلث قرن آخر أو يزيد.
أما في موضوع استقالة الملاط فقد أدار الجميع وجوههم إلى الناحية الأخرى، وادعوا أنهم كانوا منهمكين في معركة البلديات فلم ينتبهوا إلى ما يدبّر في المجلس الدستوري أو له كمؤسسة وكقضاة مطالبين بالكلمة الفصل في شأن حيوي كإعطاء الشهادة الحق في سلامة العملية الانتخابية النيابية.
أمس الجمعة كان حطام المؤسسات المهشَّمة بأيدي القيِّمين عليها يملأ الشوارع، وكان الحزن يحفر عميقاً في نفوس المواطنين الذين حلموا بأنهم أخيراً سيعطون فرصة أن يسمعوا قراراً شجاعاً لم يخضع للضغط المادي أو النفسي ولم يتأثر بالأغراض الشخصية أو السياسية، وسيمكَّنون من أن يعبِّروا عن مصالحهم وعواطفهم وفي أضيق نطاق ممكن بقدر مقبول من الحرية!
فجأة اكتشف أهل السلطان أن الانتخابات البلدية تساوي الحرب الأهلية بل هي قد تكون أخطر منها،
اكتشفوا أن ثمة قرى مهجرة تبدلت طبيعة سكانها من دون أن تتبدل لوائح الشطب فيها، وأن غرباء عنها سيتولون إدارة شؤونها بينما آلاف من المهجرين أو »المهاجرين« الذين انتقلوا إلى جهات أخرى أو مناطق أخرى ما زالت أسماؤهم في قراهم الأصلية، لا هم ينتخبون ولا هي »تنجح« في البلدية!
واكتشفوا أن »لوجستيات« الادارة لا تضمن إجراء انتخابات نزيهة في الموعد المضروب.. للتأجيل!
كان الحطام متنوعاً: فيه من المجلس الدستوري ومن المجلس النيابي ومن مجلس الوزراء (غير المجتمع) ومن المجالس البلدية ومن المختارين، ومن الأحلام والأوهام والآمال ومشاريع التغيير!
وكانت أعلى الأصوات في المزايدة، كالعادة، هي أصوات أولئك الذين يخافون من أي انتخابات وعلى أي مستوى لأنهم يخافون »الشعب« كلما اجتمع،
وهم يخافون لأنهم يعرفون جيداً حجم ارتكاباتهم والموبقات!