طلال سلمان

الإنتخابات كفعل معارضة…

لو عرف اللبنانيون عمومù، والسياسيون منهم بنوع خاص، مدى اهتمام العرب كلهم، وفي مختلف ديارهم، بانتخاباتهم النيابية، لتصرفوا بخفة أقل ومزيد من الجدية والوقار.
إنها »الانتخابات العربية« بامتياز!
ومع أن العرب يعرفون الكثير عن مباذل الرؤساء والوزراء والنواب والوجهاء اللبنانيين، حتى من قبل أن تثار »الفضيحة« الأخيرة،
.. ومع أنهم يعرفون الكثير من التفاصيل المسلية عن الفولكلور الانتخابي في لبنان، وطبيعة التحالفات الطريفة بين الإقطاع السياسي ومقتحمي المسرح باسم الفقراء وصغار الكسبة، أو بين رموز »العلمانية« ورموز المؤسسة الدينية (من كل الطوائف والمذاهب)، أو بين غلاة المعارضين وبعض أركان الحكم، أو بين كبار رأسماليي البلاد وبين أسماء لامعة في أفق »اليسار« في لبنان والمنطقة برمتها،
.. ومع أن العرب يعرفون أن لبنان ما بعد الحرب ليس في أفضل حالاته صحة، وأن كثيرù من التشوهات ومن المفاهيم والشخصيات المهجنة قد اقتحمت ساحة العمل السياسي فيه، أو قد أنزلت إلى هذه الساحة بالمظلات أو بمركبات فضائية آتية من خارج المدارات المألوفة،
مع ذلك كله فالعرب، إجمالاً، ما زالوا »يتعزون« بأن نوعù من الانتخابات شبه الطبيعية ما يزال له مكان في هذه الدنيا الفسيحة التي تحكمها الإرادة السلطانية السنية فتحيي فيها وتميت، وتقرّر باسم الشعب ونيابة عنه بموجب التفويض الإلهي الذي يجعلها الناخب الأوحد والمنتخب الأوحد.
إنهم يتابعون الأخبار والشائعات والحكايات الانتخابية بشغف وبشيء من الحسد، ويتجاوزون عن المثالب والمطاعن لأنهم يتشهون أن »يتفرّجوا«، مرة، على »انتخابات ما«، في أي أرض عربية، ووحده لبنان المؤهل لمثل هذه الريادة، تقدم صورة ولو محرفة عن تلك الانتخابات والديموقراطيات التي يسمعون عنها في بلاد الفرنجة، ومن ضمنها »الكيان الصهيوني«.
»انتخابات« بمعنى ان يكون هناك مرشحون، فرادى. ومن ثم قد يجتمع بعضهم في لائحة والبعض الآخر في لائحة منافسة، وقد يبقى من يصول ويجول و»يخترق« اللائحة منفردù، لسمعته الطيبة، مثلا، او مستفيدù من سلاح »التشطيب« الفعال اذا ما احسن استخدامه ضد مرشح ضعيف ورخيص في التحاقه بالسلطة،
»انتخابات« بمعنى ان يسقط الحجاب عن المحصنين والمعينين والمفروضين على الناس، فيضطر هؤلاء الى »التعرف« على مواطنيهم في قراهم ومزارعهم واحياء المدن الفقيرة، والى مجاملتهم بالتعزية، ولو متأخرة، او الى التعهد امامهم ولو كذبù بأنهم يملكون »برنامجù« وبأنهم سيحققون كذا وكذا من المشاريع لمنطقتهم من ضمن سياسة الانماء المتوازن المحقق لاعجوبة الوحدة الوطنية التي يسمع عنها الناس ولا يرونها الا لماما وفي المآسي الجماعية، ولا يستطعيون التقاط صورة واضحة لها لأنها تختفي في لحظة اكتمالها الشكلي!
فالانتخابات، ولو على الطريقة اللبنانية الحافلة بالتدليس والنفاق والرشوة والضغوط وفنون الاثارة المذهبية والطائفية، هي لحظة اعتراف (نادرة) بالمواطن: بأنه موجود اولا، وصاحب حقوق في بلاده ودولته ثانيù، وصاحب رأي في الحاكمين، ولو منتقصù من قدرته على التغيير بتأمين الفوز للجيدين وإلحاق الهزيمة بالسيئين والمقصرين.
ومؤكد ان المواطنين العرب البسطاء المحرومين من كل أنواع الانتخاب الصحيح ولو في أنديتهم الرياضية وجمعياتهم الخيرية وهيئات تنظيم النسل، لا يتقبلون فكرة »المقاطعة«: كيف يرفض انسان ممارسة حقه في الاعلان عن رأيه، كيف يحجب »صوته« وهو افعل اسلحته في معركة التغيير؟! ثم انه اساسù سلاح للرفض، ولقول »لا« ساطعة، وليس مجرد اداة لقول »نعم« آلية أو مفروضة؟!
من قال ان »الصوت« لا يعني الا الموالاة والموافقة والخنوع والتسليم بالواقع القائم؟!
ان المقاطعة، والامتناع عن التصويت بالغياب او بالكسل، والاستنكاف بذريعة ان ليس بين المرشحين »من هو جدير بأن نمنحه ثقتنا«، ان كل ذلك يؤدي الى تمكين »الآخرين« من ان يختاروا لك نائبك، وتمكين »النواب« الآتين برغم ارادتك المغيبة، من ان يتصرفوا متحررين من رقابتك ومحاسبتك.
ان الاقتراع فعل معارضة أيضا، بل قد يكون ذروة المعارضة والاعتراض.
اما الصمت فليس الا مقبرة الجبناء، او عنوان تواطؤ مع الخارج لغرض يتجاوز التعبير عن الرأي.
والاخوان العرب يعجبون لهذا الترف اللبناني المستهجن: كيف يعطل انسان سلاحه الأمضى لتأكيد حقه في المشاركة في القرار، بينما يموت كثيرون في بلاد اخرى من اجل انتزاع حقهم في القول والوصول الى… صندوقة الاقتراع.
تعدد العيوب والمطاعن وحجم »التدخل« في اللعبة الانتخابية، لكن من يسمعك يظل اسير دهشته: وكيف بغير التعبير عن الرأي، والاصرار عليه، وتوسيع الهامش الديموقراطي الوليد بممارسته كلما وحيثما تتاح الفرصة (او تنتزع) يمكن اثبات وجود »المواطن« وجدارته بحقوقه، وأهليته لان يمسك مصيره بيديه؟!
ام هل ننتظر توازنا مختلفا للقوى، لا يد لنا فيه، لكي يمنحنا فرصة ممارسة التعبير عن »ديموقراطية الآخرين«؟!
ومن الصعب اقناع اللبنانيين الذين يظهرون كل هذا التشوق للانتخابات، بكل عيوبها، بأنهم محكومون بأن يغيبوا طوعا لتأكيد ايمانهم بالديموقراطية، او ان يحضروا مرغمين ليكونوا شهود زور على »ديموقراطية« الاصدقاء الكبار الاسخياء الى حد تأمين وصول الديموقراطية حتى آخر بيت لبناني على طريقة »بابا نويل«!

Exit mobile version