بلا وداع رحلوا، تماماً كما جاءوا بغير وداع… لكنهم في الحالين أثبتوا ما ليست بحاجة إلى إثبات: إن فلسطين شعب عظيم وإرادة صلبة وحق لا يموت وأرض لا يمكن اختلاسها أو تهريبها أو إسقاط هويتها بالتهجين والاستيطان المكثف.
لقد عادوا، لكن العودة ليست نصرهم الوحيد، فهم كانوا يحققون نصراً في كل يوم من أيام إبعادهم التي زادت على السنة. بل لعلهم كانوا ينتصرون على مدار الساعة.
فلقد نجح هؤلاء الرجال في أن يقدموا وجهاً ولا أبهى للنضال المقدس من أجل الحق المقدس في الارض المقدسة. وبالمقابل فهم نجحوا، وببساطة مذهلة، في أن يكشفوا مزيداً من جوانب البشاعة في الاحتلال الإسرائيلي وفي المنطق الصهيوني.
كانت خيامهم مجموعة من اللاءات المرصوفة جنباً إلى جنب. وبقوة “اللا” العفية، بإرادة الصمود، بالقرار المجيد حولوا الخيام إلى منبر دولي للقضية.
في قلب صقيع العراء العربي أقاموا منارة.
وفي الوعر ابتنوا جامعة، مقدمين نموذجاً حضارياً يمكن المباهاة به في كل مكان وزمان.
وبالنسبة للبنان قدموا النموذج الفدائي الذي طالما تشهي اللبنانيون أن يروه في إخوتهم الفلسطينيين، والذي اندثر منذ عشرين عاماً أو يزيد ليبقى للفلسطيني وجه “الحاكم” أو “المتحكم” بينما استقبله الناس باسم الثورة ولأجلها.
هؤلاء هم الثوار، قال اللبنانيون. هؤلاء هم المجاهدون: لم يخطئوا في كلمة أو في تصرف، لم يتجاوزوا ولم ينتزعوا حقوق “المقيم” ولا هم حاولوا أن يقاسموه إياها. فهم لم يغادروا فلسطين أبداً، ولا هي غادرتهم، ولا هم ادعوا لأنفسهم باسم العودة حق المواطن في بيته وأرضه ودولته ومؤسساتها.
سلاماً أيها الرجال الذين أحييتم في الأمة الأمل في زمن الانهيار والاستسلام والتنصل من مسؤولية الأرض ومن حقوق أهلها فيها.
الأرض، الأرض، الأرض… كانت فيهم، كانت معهم، وكانوا فيها طوال الوقت، فهي الأغلى والأبقى، إن تمت حمايتها كانت للأبناء والأحفاد حياة وكرامة، وإن هي تركت أو أفرغت خسر الأجيال جميعاً حتى المنافي.
سلاماً أيها المعلمون. إننا ندين لكم بالكثير، وسنزرع أسماءكم في وجدان أطفالنا، وسنطلب منهم أن يحفظوا عنكم كيف يصنع الرجال الانتصارات الكبيرة بالعذابات “الصغيرة”، بالآلام الإنسانية “البسيطة”، بسهر الليالي، بالعطش، بمؤانسة الوحوش، بالنوم في “أحضان” العقارب والأفاعي.
سلاماً أيها الذين أعدتم إلينا صورة فلسطين الأصلية، بعدما شوّهها كثيرون من الذين يستعدون الآن للعودة الأخرى.. العودة كشرطة في غزة واريحا، بينما هربوا وهم “قيادات للثورة” من مواجهة الاحتلال الذي لا مفر من مواجهته، في كل أرض، وكل يوم، وبكل الأسلحة وعلى مختلف الجبهات.
سلاماً أيها “المهاجرون”،
سلاماً يا فلسطين المطعمة الآن بنكهة لبنان المقاوم وليس لبنان الفندق.
وطني ليس حقيبة، وليس خيمة، وليس علبة ليل.
الزيارة غير المفهومة..
آخر “تركي كبير” زار لبنان هو جلال بايار، وقد جاء في عهد كميل شمعون كتتويج لمحاولة غربية لإقامة حلف يحمي إسرائيل ويسقط عروبة المنطقة ويمهد لمسخ هويتها وتهجينها بحيث يغدو اسمها “الشرق الأوسط”.
وآخر ما سمعه اللبنانيون من المسؤولين الأتراك هي تلك التهديدات المتوالية بإرسال طائراتهم لقصف البقاع، بحجة أن فيه مراكز التدريب لمقاتلي حزب العمال الكردي (P.K.K)… كأنما ذلك القصف يمكن أن يحسم مشكلات الحقوق القومية لتلك “الأقلية” الكبرى التي تشكل ربع السكان في تركيا (العدد الرسمي لأكراد تركيا، أو “أتراك الجبال” كما كان يسميهم النظام الرافض الاعتراف بهويتهم هو 14 مليوناً)…
لذلك لم يفهم اللبنانيون معنى هذه الزيارة التي يقوم بها رئيس حكومتهم اليوم إلى تركيا والتي ستمتد لأربعة أيام طوال.
… ولا هم فهموا ذلك البيان الرسمي التركي الذي تحدث عن العلاقات “بين الشعبين الشقيقين”؟!
وليس مفهوماً من أين تجيء مثل تلك الأخوة، خصوصاً وإن زيارة وزير الخارجية التركي لإسرائيل، قبل اسابيع قليلة، قد حفلت بما يؤكد عدائية الموقف التركي (الرسمي) للعرب جميعاً، وهي مجرد عينة تفضح السياسة الرسمية التركية المعتمدة.
وما يحفظه اللبنانيون عن المواقف التركية إنها تتسم بعدائية شديدة للعرب بلغت ذروتها بقطع المياه عن سوريا والعراق وتسببت في كوارث زراعية وصناعية واقتصادية عموماً، وأنها تتسم بما يشبه التحالف الفعلي مع عدوهم القومي إسرائيل.
طبعاً هذا لا يعني أبداً أن التركي هو عدو العربي، وبالعكس، ولكنه يعني أن السياسة التركية الرسمية لم تكن ودية تجاه العرب، وكانت في الغالب الأعم من الحالات أقرب إلى الجفاء بل العداء، في حين أنها كانت وباستمرار غاية في الود تجاه الكيان الصهيوني بكل أطماعه في الارض العربية.
لماذا هذه الزيارة، إذاً، وماذا يمكن أن “تعطينا” تركيا، و”فتاة تركيا”، التي ورثت أقطاب “تركيا الفتاة” الذين أسقطوا الخلافة ثم أسقط جيلهم الثاني الإسلام والحرف العربي ليأخذوا تركيا فيحلوها في آخر مرتبة في الغرب (وهو لم يقبلها بعد إلا كجندي حراسة ضد الآخرين، الشيوعية مرة والإسلام مراراً”؟!
لا أحد يعرف، بالدقة، سبباً واحداً مقنعاً لإتمام مثل هذه الزيارة.
اللهم إلا إن هي كانت خطوة على طريق غزة – أريحا طلباً لشرق أوسط جديد بديل عن العروبة والعرب.