… وفي اليوم الأول من عهد الرئيس الجديد الآتي من صفوف “المعارضة” لنهج جورج بوش، شن الطيران الحربي الأميركي الغارة الأولى “الديموقراطية” على العراق!.
هل أوضح من رسالة متفجرة ومحرقة كهذه؟!
وهي رسالة تحمل عنوان بغداد لكنها موجهة إلى كل “من يهمه الأمر” بدءاً بتلك المنظمة الدولية – الأداة في نيويورك (الأمم المتحدة)، وصولاً إلى روسيا يلتسين التي تهم بأن تتململ، فيعجزها الجوع، مروراً بفرنسا التي تطالب بحقوق الحليف أو الشريك (ولو الضعيف) بينما قانون الإمبراطورية لا يعطي أي طرف مثل هذه المرتبة الممتازة!
القرار لصاحب القرار، وعلى الآخرين التنفيذ ومن ثن ينظر في أمر قبول الاعتراض، إن تجرأ أحد فاعترض، أو يرد الاعتراض ويؤدب المعترض.
لقد تبدل الرئيس، في واشنطن، لكن المصالح هي هي وبالتالي فلا موجب لتبديل السياسة، أقله في الخارج.
أميركا هي أميركا. والله الذي طلب إليه أن يبارك أميركا جورج بوش ما زال مطالباً بأن يبارك أميركا بيل كلينتون.
الإمبراطورية هي الأصل وهي الباقية، أما الإمبراطور فرمز مجسد لمصالح الإمبراطورية يحكم بقوة التوازن بين الأقوياء، فإن هو ارتبك أو أخذته أحلامه إلى المثاليات والعالم الأفضل قانون القوة المطلقة بغير رحمة أو إشفاق.
فالإمبراطوريات بلا عواطف، وكذا يجب أن يكون الإمبراطو،
والإمبراطورية تحقيق لما يتجاوز الحلم، لذا فالحلم تراجع وانهزام وتفريط بما هو قائم، وفي كل الحالات إنقاص لما في اليد طلباً لوهم المستحيل!
إذن فأول ضربة “ديموقراطية” وجهت إلى العرب، وليس إلى سواهم!
ولقد وجدت بين حكام هؤلاء العرب من يصفق ويهلل معللاً النفس بأن يستمر حال الهناءة والدفء في ظل الرعاية الأميركية التي صارت حماية، على ما كان عليه.
بل لعل هؤلاء قد زاد استبشارهم : فالسلف لم يضرب إلا بعدما طفح الكيل وساحت “الدول” و تهاوى السلاطين، أما الخلف فها هو يوجه أول ضربة وهو بعد على عتبة البيت الأبيض!
أميركا بلا حدود. كذا الإمبراطوريات، حدها حد السيف من قاربه أهدر دمه، فإذا نبت السيف الآخر وصمد في زند أكثر عافية اندثرت إمبراطورية وقامت أخرى حدها حد سيفها هي!
أميركا بلا حدود. وهي “الدولة” وسائر العالم أرياف. هي المركز، والباقي أطراف. والحكم دائماً في “عاصمة المكر والخيانة والدسائس”، كما يسمي كلينتون واشنطن التي اقتحمها بوسامته وبراءته وزوجته الشاطرة،
لقد تداخل المحلي والدولي حتى ضاعت بينهما الحدود… للإمبراطورية القدرة على إسقاط كل الحدود: فالسياسة اقتصاد، والاقتصاد سياسة، والعسكر مؤسسة سياسية ضخمة في خدمة الاقتصاد.
وطالما أن اقتصاد أميركا معتل فلا بد من أن تأتي موارد العالم كله لكي تعيد إليه التوازن وإلا اختل النظام الكوني برمته وعمت الفوضى.
النفط وموارده للمركز. الصناعة للمركز. الزراعة للمركز. التجارة للمركز. العلم للمركز. الطب للمركز. الاختراعات والابتكارات للمركز. حتى الرياضة للمركز.
بل إن على الفنون أن ترحل نهائياً عن غربتها في أوروبا وبلاد الشرق لتستقر في المركز، خصوصاً وقد تسنم سدة الإمبراطورية جوقة من الفنانين: فالرئيس عازف ساكسفون وزوجته هيلاري ضابطة إيقاع ونائبه يتمرن على الغيتار!
على العالم أن يهرع لمداواة الجرح الاقتصادي في جسد الإمبراطورية.
إن الأزمة في المركز ترتد كارثة على الكون كله، فإما أن يعالجها ولو ضحى بحق شعوبه في حياة لائقة، وإما أن يكابر فتفقد هذه الشعوب حقها في الحياة.
في العصر الأميركي يصير اقتصاد العالم أميركياً، وتكون سياسة العالم أميركية، وتسود “الثقافة” الأميركية والأزياء الأميركية والغناء الأميركي والرقص الأميركي والطعام الأميركي… الخ.
… وإلا انطلق الصاروخ الجبار يملأ السماوات ضجيجاً قبل أن يصيب الخاصرة العراقية الضعيفة، حتى تنخلع قلوب “الأقوياء”، أو من يتوهمون أنهم أقوياء، فيسلمون!
ولقد باشر “العرب” بتسليم ما تبقى لهم أو منهم.
وها هو التلفيزيون الإسرائيلي يقطع برامجه ليذيع “رسالة سلام” من القائد العربي الذي رُفع اسمه – للتو – عن قائمة الإرهاب، لعل كلينتون يسمع فيقدّر فيتمنى على إسحق رابين أن يستجيب فتتوحد جهود “أهل السلام” ضد “الإرهابيين الجدد” الآتين باسم الإسلام، بينما الإسلام دين وسماح وصلح والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما صدام حسين فقد رد على الغارة الرقيقة بأحسن منها، إذ أكد أنه ملتزم بوقف إطلاق النار، إثباتاً لثقته بالإمبراطور الجديد ونواياه الحسنة!
الإمبراطورية لا الإمبراطور.
أميركا هي أميركا. يتبدل الرؤساء وتبقى.
أما في بلادنا فلا يذهب السلطان إلا بعد ما يطمئن إلى أنه أودى بالبلاد وأهلها فلم يبق فيها حجر على حجر.
إنه بذلك يعطي الفرصة للآتي بعده كي يعيد البناء على هواه، ووفقاً لمقاييس العصر بدل الحفاظ على الموروث المتخلف!
وبلادنا أيضاً بلا حدود. وحدها، أيضاً، هو حد السيف الأميركي، ولو في اليد الإسرائيلية،
وفي بلادنا أيضاً يمحى “المحلي” لحساب ما هو دولي، و”الدولة” هي هي: مركز الكون وقيادته… وصاحبة نظامه الجديد!
لذلك فنحن أقل الناس مشاكل وإشكالات مع العهد الأميركي الجديد،
… ثم إننا أهل طرب، وزامر الحي لا يطرب، أما مزمار الإمبراطور فيسمع من به صمم!!
“الله، يا بيل، الله، والنبي كمان، هات من تاني، عا العالي قولا كمان”!!