صباح الخير من بيروت – المساء،
ومع التحية ضمة ورد عرفاناً بالجميل وتقديراً لهذه العاطفة النبيلة التي أحاطنا بها لبنان، بفئاته وقواه الحية كافة، مؤكداً عبرها إيمانه بقضية الديموقراطية وحرية الكلمة وحق الصحافة في أن تعرف وفي أن تعمم المعرفة بالشأن الوطني العام وأن تسحق الليل والظلام كما التعتيم المتعمد.
صباح الخير من “بيروت – المساء”…
سيما وإنها المرة الأولى، منذ عشرين ربيعاً، هي “عمر “السفير” أحل فيها ضيفاً، مع افتتاحيتي “على الطريق” على جريدة أخرى،
وإنني إذ أشكر الزميلة “بيروت – المساء” على استضافتي وبعض زملائي في “السفير” فيها، فإنني أتوجه بأعمق مشاعر الود والتقدير لجميع الزملاء الذين عرضوا – كما الصديق محسن إبراهيم – أن يستضيفونا في مطبوعاتهم.
إن الصحافة بخير، إن قضية الحرية بخير، إذن فلبنان بألف خير.
ولقد تعافى المجتمع المدني في لبنان بأسرع مما قدر أعظم المتفائلين وغلاة المؤمنين به موطناً للحرية وحصنا للديموقراطية ومنتدى فكرياً مفتوحاً لكل الاجتهادات والآراء، تنشط فيه حركة الجدل البناء والنقاش المثقل بهموم الأمة وطموحها إلى مستقبل أفضل.
ولعل أكثر ما آلمنا في القرار التعسفي بتعطيل “السفير” أسبوعاً أنه جاء خاطئاً في توقيته وفي موضوعه وفي استهدافه، مما حوله إلى طعنة في ظهر لبنان الذي طالما رأت فيه الأمة رئتها ورايتها،
فمن المفارقات الموجهة أن يصدر مثل هذا القرار الهمايوني بينما لبنان يستضيف المؤتمر القومي العربي الرابع، محاولاً عبره أن يستعيد صورته في الزمن الجميل ودوره المفتقد بوصفه المطبعة والكتاب وصحيفة الصباح والشارع الوطني لقضايا نضال الأمة كافة.
إن الصحافة بخير، إن قضية الحرية بخير، إذن فلبنان بألف خير.
ولكن ما هي القضية المفتعلة التي تسببت في هذه “الحرب” التي أشعلت فجأة، فأظهرت تصدعاً في الحكم، وافتراقاً بين الناس وبين الحكومة، وألزمت النواب والأحزاب والنخب المثقفة كما المواطن العادي بأن تقف ضد الحكومة، بل ووصلت بالاختلاف والافتراق في الرأي إلى قلب مجلس الوزراء فاستنزفت جلسته مساء أمس في نقاش ما كان يجب أن يحدث أصلاً؟؟
وأسارع فأقول: إنها المرة الأولى التي نساق فيها في “السفير” إلى “حرب” لم نطلبها ولم نرغب ولا نحن الآن نرغب فيها، ولكننا نجبر – مثلكم – على خوضها دفاعاً عن كرامة الوطن وحرية المواطن فيه، تحف بنا وتعصمنا وتحمينا هذه الانتفاضة الشعبية العارمة التي انتصرت لحرية الصحافة وعبرها لـ “السفير” وتاريخها في خدمة قضية الإنسان العربي وكرامته.
إن الصحافة بخير. إن قضية الحرية بخير. إذن فلبنان بألف خير.
… خصوصاً وإن القرار الهمايوني بتعطيل “السفير” أسقط الفاصل الوهمي بين القضية الوطنية وبين قضية الحريات العامة في لبنان.
وهذا القرار الذي ارتجله وزير العدل وورط فيه الحكومة والقضاء، نموذج فظ لسوء استخدام السلطة والتعسف في تحميل القضاء وزر أخطاء لا علاقة له بها.
إن هذا القرار يشكل تعدياً صارخاً على حق المواطن في أن يعرف ما يتصل بشؤونه المصيرية، وهل أخطر من المفاوضات الجارية مع العدو الإسرائيلي شأناً مصيرياً؟!
و”السفير” التزمت بالموقف الوطني العام منذ اللحظة الأولى لافتتاح المفاوضات في مؤتمر مدريد.
وضعنا تحفظاتنا المبدئية جانباً، واعتبرنا أن الواجب الوطني يقضي بتحصين الوفد المفاوض الذي يخوض معركة قاسية وفي ظل ميزان قوى ليس في صالح لبنان وسائر العرب في أي حال،
لكننا لم ننس للحظة، كما الدولة والشعب والوفد المفاوض، إن إسرائيل هي “العدو”، وإننا وإن اختلفنا في الاجتهاد فيجب أن نظل صفاً واحداً في مواجهتها: المقاومة تكمل الجهد الدبلوماسي، والصحافة تساند وتحمي الحركة السياسية، سعياً وراء استخلاص الحق الوطني الصريح في أرضنا وفي استعادتها إلى حضن الوطن.
وافترضنا أن واجبنا – كصحافيين – أن نوسع دائرة الضوء، وأن نكشف ما يدبره لنا العدو، وأن نفضح ما نتوصل على معرفته أو إلى استشفافه من خططه ومن مناوراته ومن مكائده المموهة بتلك التصريحات الممجوجة حول أن لا مطامع له في حبة تراب أو في نقطة واحدة من مياه لبنان.
وافترضنا، أيضاً، إن من واجبنا أن نوسع دائرة النقاش، وأن نفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، لكي يشارك الشعب كله في تحصين وفده المفاوض بالمعلومات والوقائع والأرقام والآراء والدراسات حول أطماع العدو التاريخية كما حول مواقفه السياسية الراهنة.
ومن داخل هذا المفهوم تقدوم “السفير” ومنذ سنوات طويلة صفحة أسبوعية هي ترجمات للمقالات المهمة والافتتاحيات والتحقيقات الكاشفة لخطط إسرائيل ونواياها وأطماعها المعلنة في كل لبنان بل وفي كل الوطن العربي.
ومن داخل هذا المفهوم عمل مراسلو “السفير”، بكل مثابرة وجد، على تزويد قرائها بأدق المعلومات والتفاصيل عن سير المفاوضات وعن المناورات والتكتيكات والخدع الإسرائيلية مما جعل “السفير” وثيقة تحملها معها الوفود العربية المشاركة في المفاوضات.
وكنا في بيروت نساند ذلك الجهد بالتعليق والتحليل والتحقيق الذي يزيد من دائرة الضوء ويعزز مشاركة المواطنين في حماية موقف الحكم وهو يخوض هذه المعركة الشرسة.
لماذا هذا القرار التعسفي إذن؟!
بل، لماذا هذا الاعتداء غير المبرر على حرية الصحافة وعلى حق المواطن في أن يعرف، عبر القرار بتعطيل “السفير”؟!
نقولها بصراحة : إنه قرار سياسي وليس قراراً قضائياًن بل إننا نبرئ القضاء ورجاله من أن يكونوا، بأي حال، ضد الصحافة وحريتها.
إننا نراه قراراً سياسياً مصدره الفعلي وزير العدل، والقضاء فيه ضحية مثل “السفير”.
ذلك إننا لم نعهد القضاء إلا ضمانة للحريات العامة وملاكاً حارساً للديموقراطية، ولا يمكن أن نتصور للقضاء وأهله دوراً غير هذا الدور.
لقد ارتضى قضاة لبنان أن يجوعوا وأن تمتهن كرامتهم بالرواتب التافهة، وهم يناضلون مع شعبهم من أجل قيامة الدولة في لبنان وعودة القانون ليكون الحكم والمرجع الصالح للفصل في المنازعات.
لكنهم حتى وهم في أبأس الأوضاع ظلوا يناضلون مع الناس لحماية كرامة الوطن والمواطن،
وسيثبت القضاء غداً أنه عند حسن الظن، وإنه لم ولن يتخلى عن دوره في حماية الحريات العامة جميعاً وفي الطليعة منها حرية الصحافة.
إن الحكومة هي المسؤولة ، وقرار التعطيل قرار سياسي والمسؤول المباشر عنه هو وزير العدل الذي وجد نفسه وحيداً، ليل أمس، حتى في مجلس الوزراء.
ولسوف تنتصر قضية الحرية، لأن لبنان يفقد معناه ومبرر وجوده من دون حرية ومن دون صحافة حرة.
ولسوف تظل “السفير” مع شعبها، مع أمتها: صوت الذين لا صوت لهم، جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان،
أما الحكام فعابرون،
وليس أمراً مشرفاً أن يسجل التاريخ لأي ممن وصله إليه الأحكام في غفلة من القدر إنه قد عطل صحيفة، وإنه قد حجر على حق شعبه في أن يعرف،
… مع التذكير بأن الاجتياح الإسرائيلي نفسه لم يستطع أن ينجز مثل هذه المهمة الكريهة،
وسلام على من أتبع الهدى،
وإلى لقاء دائم مع قراء “السفير” عبر “بيروت المساء”، كما عبر كل الزميلات في لبنان.
وحيّ على الحرية، حي على الصحافة، حي على الكلمة المشعة كالشمس الهاتكة أستار الظلم والظلام والتعتيم المتعمد.