يتلهف حكام العرب لمعرفة رأي الرئيس الأميركي الجديد، بيل كلينتون، فيهم وفي قضاياهم،
وبعضها جراح نازفة، وبعضها الآخر قنابل موقوتة يتخوفون في انفجارها في وجوههم غداً فيعملون على تفجيرها في رعاياهم اليوم،
أما غلاة اللبنانيين من أهل الزجل وفنونه فيضعون هذا البلد الصغير بنداً بارزاً على برنامج هذا الرئيس الآتي بوعد التغيير، ويؤجلون الحكم له أو عليه في انتظار اتضاح مواقفه من مسائل خطيرة كالانتخابات والمقاطعة والمعارضات والصورة الرسمية للحكومة الجديدة وصلاحياتها الاستثنائية، بكل أبعادها الطائفية والمذهبية الدقيقة!
وفي حين اندفع صدام حسين يطلق الرصاص ابتهاجاً بسقوط “خصمه” جورج بوش، (وهي إحدى المرات النادرة التي يطلق فيها الرصاص في الهواء وليس على أهداف حية..) فإن حكاماً آخرين خلعوا “بوشيتهم” بسرعة واستدعوا الحلاقين ليسرحوا لهم شعرهم على طريقة كلينتون، ومن كان منهم مبتلى بالصلع استأجر باروكة كلينتونية…
أما الحقيقة المفجعة فهي إن العرب خارج الموضوع: فلا هم مهزومون مع “صديقهم” جورج بوش، ولا هم منتصرون مع “خصمهم” بيل كلينتون،
فكيف يؤثر في الخارج، وتحديداً في عاصمة الكون وقيادة النظام العالمي الجديد، من ألغى بلاده وشعبها فلم يبق منها إلا صورة جلاد ورعية مهيضة الجناح لا تملك من أمرها شيئاً ولا رأي لها أو دور في شجون معاشها فكيف بشؤون العالم؟!
وهل يمكن أن تكون للعرب في الخارج صورة مختلفة عن حصيلة جمع صورهم المهشمة، كل في قطره، بما في ذلك حروبهم المفتوحة ضد بعضهم البعض، سواء على شبر رمل في صحراء (كما في التحرش السعودي بقطر)، أو في الاستفزاز الكويتي للعراق)، أو تلك التي تشنها الحكومات على رعاياها كما في معظم أرجاء هذا الوطن الكبير،
إن العرب يحتربون في كل مكان ولم يكونوا يوماً – حتى في الجاهلية – مشغولين بحروبهم الأهلية الداخلية، أو حروب الحدود (بين الأخوة – الأعداء) كما هذا اليوم.
وماذا تجدي رصاصات صدام حسين في الهواء، شماتة وتفريجاً لغل شخصي، بينما العراق يشلع – جهاراً نهاراً – ويتم تقسيم شعبه أعراقاً وعناصر وأدياناً وطوائف ومذاهب شتى..
… وبينما قوى الاحتلال الغربي تقتطع كل الشمال ومعظم الجنوب، في حين تتوغل قوات الغزو التركي حيثما شاءت في أنحائه لتصفية زهرة شباب أكراد تركيا مستعينة بإدلاء غير مقنعين من “قيادات” حركة التحرر الكردية في العراق؟!
أما في فلسطين، التي تندثر أمام عيوننا، فهل يمكن أن يعيد لنا كلينتون ما تنازلنا ونتنازل، بعد، عنه؟!
إن العاجز هنا أكثر عجزاً هناك، بل هو الأكثر تنازلاً بالضرورة هناك.
ولن يندفع تأييد “العهد الجديد” في محو آثار ما قدمناه، بالرغبة أو بسوء التقدير أو بالعجز، للعهد الأميركي “القديم”.
لم يعلن بيل كلينتون، بعد مواقفه التفصيلية من مختلف المسائل الكونية، ومن ضمنها ما يهم العرب، وإن كان انحيازه إلى إسرائيل ظل فاقعاً طوال حملته الانتخابية.
لكن المعيار، هنا، عربي أكثر منه إسرائيلياً: فبديهي أن يكون أي رئيس أميركي أكثر قرباً إلى الإسرائيليين عموماً، بوصفهم “حلفاءه” الطبيعيين، فكيف إذا ما غاب العرب تماماً فلم يعودوا خصوصاً محتملين، ولم يعودوا – بتضامنهم – قوة يحسب لها حساب في حالتي التحالف أو الخصام؟!
في أي حال فقد حدد لي هاملتون بعض ملامح عهد كلينتون، قبل شهور قليلة.
ففي الصيف الماضي كتب هاملتون، المرشح لأن يكون وزير خارجية العهد الأميركي الجديد، وأحد أركانه حيثما كان، مقالاً جاء فيه على ذكر العرب، ولو بشكل سريع، وأومأ إليهم في أكثر من مجال… وبين ما قاله، وهو ينتقد سياسات الرئيس جورج بوش:
*” لا تناقض بين الأمن الجماعي والتفوق العسكري، كما برهنت حرب الخليج”!!
بمعنى آخر: فلو إن تلك الحرب كانت تهدد الأمن الجماعي، داخل الولايات المتحدة أو في العالم، لما نشبت…
وغني عن البيان إن إسرائيل تطبق مع العرب عموماً، وفي جنوب لبنان على وجه الخصوص، (وحتى في غزوها للبنان قبل عشر سنوات) هذه القاعدة بالذات.
*” القوة الاقتصادية هي المحدد الجديد للمكانة الدولية.. ومشاكلنا الاقتصادية تحد من توسيع سياستنا الخارجية”.
.. ولو كان للعرب، وعرب النفط خاصة، بعض التأثير على القوة الاقتصادية الأميركية لأمكن التأثير على السياسة الأميركية تجاه العرب عموماً.
*” إذا أردنا قيادة الخارج غداً فإن علينا التركيز على مشاكلنا الداخلية اليوم… وعندما نعتمد على الآخرين في تمويل سياساتنا الخارجية فإننا نعرضها للخطر…”
أما في مجال الحديث عن الديموقراطية فيغدو كلام لي هالمتون قاطعاً في صراحته…”
*” إن تعزيز الديموقراطية يؤسس لأمن طويل المدى…”
* إن الديموقراطية لا يمكن أن تزدهر في البؤس الإنساني…”.
* “لدينا فرصة لتعزيز انتشار الديموقراطية والأسواق الحرة..”.
بعد ذلك يجيء الاستنتاج الجارح:
*” لقد ضغطنا من أجل تغيير ديموقراطي في البلدان الشيوعية السابقة، ولكن الدول التي ينظر إليها أنها ذات أهمية استراتيجية والتي تتضمن المملكة العربية السعودية، الكويت، الصين، أندونيسيا وتركيا، فقد تفلتت من ضغط قوي بشأن الديموقراطية وحقوق الإنسان، ولم ندع حتى الآن إلى تغيير ديموقراطي في العراق: فالعقوبات الأميركية مربوطة فقط بعزل صدام حسين…”.
… فإذا كان هذا رأي الوزير المحتمل لخارجية كلينتون في “الأصدقاء” العرب، الذين مولوا – تقريباً – الحرب على العرب، فلا ضرورة للتساؤل عن رأيه في من يعتبرونهم خصوصاً أو لا يمنحونهم شرف الصداقة للسيد الأميركي!.
المسألة هنا لا هناك،
نكون فيكون لنا رأي وقرار وقدرة على التأثير، ويجبر “الآخر” على أخذنا بالاعتبار.
أما إذا كنا قد ألغينا أنفسنا سلفاً، وشطبنا دورنا، وأخرجنا أنفسنا من التاريخ فمن سيسعى إلى صداقتنا، وبالتالي من سيقيم وزناً لخصومتنا، هذا إذا ما افترضنا جدلاً أن ثمة من فيه العزم لادعاء الخصومة؟!
من من الأميركيين سيخاف من أبنائنا الذين أطلقنا عليهم اسم “جورج بوش”؟!
هل سمعت عن إسرائيلي أطلق على ابن له اسم أي رئيس أميركي، مع العلم أن إسرائيل ما كانت لتقوم أصلاً لولا الدعم الأميركي والرعاية الأميركية المستمرة حتى يومنا هذا؟!
ثم هل من العدل (ناهيك عن عناصر القوة) أن تنتظر شعوبنا الديموقراطية بقرار أميركي؟!
وكيف سيخاف منك هذا الذي يعطيك الأمر بأن تحترم إرادة شعبك فتعترف بداية بوجوده، ثم بحقه في أن يحكم نفسه بنفسه، أو أقله أن يشارك السلطان في ما يعتبره حقه الالهي؟!
ثم بعد ذلك يتساءل العرب – وبينهم الزجالون اللبنانيون – عن موقعهم على خريطة كلينتون الدولية؟!
إنه تساؤل طريف إلى حد الإيلام.. إليس كذلك؟