كل اللبنانيين ينتظرون “رئيسهم” الواحد الموحد،
وينتظرون، معه، حكومتهم الواحدة الموحدة، وجيشهم الواحد الموحد والموحد، وصولاً إلى آخر مؤسسات الدولة التي تكون واحدة أو لا تكون أبداً.
وهم بالقطع لا يريدون “رئيساً ثانياً”،
ولا يريدون على الأخص “رئيساً ثالثاً” يجيء بديلاً للتوحيدي الذي صمد في وجه التقسيمي حتى أمكن ملء الشغور في سدة الرئاسة، ولرجل الدولة الذي حمى صورتها – في الداخل والخارج – وصان ما قدر على صيانته من مؤسساتها وعصمتها من عبث “جنرال الحرب”، ولمن أنقذ ما استطاع إنقاذه من قيم الديموقراطية والحرية والبرلمانية في هذه الجمهورية البائسة، من طغيان الدكتاتورية العسكرية معززة بفاشية اللون الطائفي الواحد.
وكل العرب، خارج لبنان، ينتظرون “رئيس” حلهم التوحيدي،
وكل الدول تنتظر من “الرئيس” الذي انتخبته مع النواب، وربما قبلهم، في الطائف في في القليعات، وواكبته بالاعتراف والتأييد والتشجيع حتى بيروت، قراره بالتوحيد توحيد السلطة، توحيد مصدر القرار، توحيد الدولة بمؤسساتها الشرعية كافة، تمهيداً لتوحيد الشعب ومن ثم استعادة وحدة التراب الوطني وبسط سيادتها عليه.
ويعرف اللبنانيون ، ومعهم العرب خارج لبنان، والدول، أن رينيه معوض “رئيس” بالتوافق والاتفاق مهيأ ومؤهل لأن يقود عملية الوفاق الوطني. أي إنه لم يأت بالحرب، بل هو قد اختير، أساساً، لأنه مستعد لأن يحارب ضد الحرب وبهدف الوصول إلى السلام الوطني المرتجى.
إنه رئيس بالتوافق مع المتوافقين، ورئيس عليهم، في انتظار “الباقين”.
بمعنى إنه رئيس لمن أقر برئاسته وسلم بشرعيته وتقدم نحوه يساعده في عملية إعادة التوحيد، حتى وهو متحفظ على بعض الاجراءات أو بعض المحظورات التي أباحتها الضرورات.
لكن واجبه أن يحاول مع “المتمردين” و”الخارجين” عليه وعلى مشروع الدولة، لعلهم يتوبون أو يعطون فيرضون وتتقدم مسيرة الوفاق سلمياً، وبأقل الخسائر الممكنة.
من واجبه، بداية، أن يمد يده إليهم بالمصالحة والمسامحة والاستعداد لاغتفار أخطاء الماضي والصفح عن الخطايا، ولو مميتة. فالكل خطاة، والكل في الهزيمة سواء، ولا فضل لمهزوم على آخر إلا بالتواضع والإقرار بعجزه عن إحراز “نصر” وطني بأدوات قتال طائفية، أو “نصر” طائفي في بلد تشكل كل طائفة فيه “محمية” لبعض الأقوى من الدول والمعسكرات.
من واجبه أن يوفد الموفدين شارحاً وموضحاً ما لم يعد بحاجة إلى توضيح، كمثل إن الحرب الأهلية تقتل، بالنتيجة، أطرافها جميعاً، وإن بقاء لبنان يشترط الخروج به (أو إخراجه) من حماة العنف الذي بدأ انفجاراً في وجه “الآخرين” وانتهى بتفجير فارسه الأول وحامل رايته الملطخة بدم الجميع.
من واجبه أن يبعث وأن يقبل “وسطاء الخير”، حتى لو كان يشتبه ببعض مقاصدهم والنوايا، فلعل وعسى يمكن تفادي الصدام وتسلم الطائفة فلا تتآكلها حمى الاقتتال فتذهب بالجمهورية والرئاسات جميعاً.
الكل يقول: يكفي ما أريق من دماء اللبنانيين، فكيف به وهو رئيس الجميع، القاتل والمقتول؟!
ولكن ماذا وهم يرفضون، ثم يحولون الرفض إلى تحد، والتحدي إلى تمرد وعصيان مسلح، برغم التساهل وإرادة التعاون والتنازلات التي كادت تمس الجوهر؟!
ماذا يمكن أن تقدم الجمهورية للعاملين على تمزيقها بمشروع التقسيم الانتحاري؟!
وماذا يمكن أن يقدم رينيه معوض لرافضي الاعتراف به رئيساً؟!
هل يلغي نفسه لاسترضاء ذلك المقدم نفسه بديلاً له وللمؤسسات وللشرعية، بل وللشعب ذاته ولمشروع الوطن المتضمن في الدولة العتيدة؟!
ماذا يملك رينيه معوض غير شرعيته التي شرطها توحيد اللبنانيين شعباً وأرضاً ومؤسسات؟!
إن شرعيته هي مصدر قوته وعلة وجوده.
هذه الشرعية اللبنانية – العربية – الدولية قوة هائلة، في السلم والحرب، فإن هو لم يمارسها كاملة وفي الوقت المناسب تصدعت، وإن هو تهاون في فرضها حيث تدعو الحاجة تهددها الانهيار.
والوقت عامل حاسم، تستخدمه فيصير سلاحاً في يدك، وتهمله أو تسيء تقدير فاعليته فينقلب سلاحاً ضدك،
والتوقيت سر النجاح.
لكن القرار هو البداية والنهاية. هو الأصل. هو الرجل وهو النصر، وهو – في بعض الحالات – شرط سلامة الوطن وشعبه.
وميشال عون مشكلة جدية، تستدعي قراراً جدياً بالعلاج الناجع.
على إنه ليس مشكلة “شخصية” لرينيه معوض، برغم إن “الرئيس” هو المتضرر الأول من وجوده حيث هو وبموقفه المعروف.
ولا هو مشكلة تخص “الموارنة”، برغم كونه “مشكلة مارونية” من حيث التوصيف الأولي.
ميشال عون مشكلة سياسية تواجه اللبنانيين جميعاً، وتهدد مشروعهم السياسي الذي توافقوا عليه – بعد طول عناء – للخروج من أتون الحرب الأهلية وعبر تسوية طائفية لا ترضي طموحات الأكثرية الساحقة منهم ولكنها قد تكون ضرورة لبقائهم.
وبالتالي فهزيمة ميشال عون، إن وقعت وهي يجب أن تقع، ليست هزيمة للطائفة ولا يجوز أن ينظر إليها كذلك، بل لعلها المدخل إلى إنقاذ الطائفة العظمى وموقعها الممتاز في النظام اللبناني الفريد.
ورينيه معوضلن يقاتل ميشال عون ، إن فرض عليه قتاله، كماروني يقاتل مارونياً، بل كرئيس شرعي لجمهورية تعداد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين لبناني ربعهم فقط من الموارنة في حين ينتمي الباقون إلى طوائف بل أديان أخرى، لكنهم يقرون جميعاً برئاسته وبالجمهورية ونظامها البرلماني الديموقراطي ومؤسسات الشرعية فيها بدءاً بالرئاسة الأولى.
وحين بعث ميشال عون زبانيته يعتدون على بطريرك الموارنة نصر الله بطرس صفير، في مقره، فيهشمون كرامة مقامه، وينتهكون حرمة صليبه وعمره ودوره، وينزعون صورة البابا لكي يعلقوه مكانها، لم يكن يتصرف “كماروني”، بل كان يتصرف كصاحب مشروع سياسي تقسيميس يزعجه ويضايقه وجود أية مؤسسة وحدوية جدية ومهابة ضمن منطقة هيمنته، حتى ولو كانت بكركي، أي دار الطائفة المارونية ومرجعها الروحي.
لقد فرض ميشال عون المواجهة على الجميع، عبر تجربته المرة،
ومن أسف إنه كان دائماً صاحب القرار وصاحب المبادرة ومطلق الرصاصة الأولى، مما ألزم “الآخرين” جميعاً، من النواب إلى البطريرك الماروني، إلى القوى السياسية المختلفة، في “الشرقية” و”الغربية”، ثم خارج لبنان، بموقف الدفاع… وهو موقف سلبي وبالتالي ضعيف.
وهو اليوم، ومن قلب عزلته القاتلة، يوالي سياسة الهجوم بالقرار ولو اعتبره الآخرون جنوناً.
والرد لا يكون بالدفاع، بل يكون هجوماً شاملاً ذريعته الدفاع عن النفس، عن الشرعية، عن الدولة، عن لبنان واللبنانيين جميعاً بمن فيهم وعلى الأخص منهم من أوقعتهم الأقدار رهينة في يده فأخذ يبتز الدنيا بهمز
المواجهة واقعة لا محالة،
هكذا تقول الوقائع والمعطيات التي يسلم الجميع بصحتها، في الداخل والخارج.
وخطوة التكليف اليوم، وتأليف الحكومة غداً أو بعد غد، وكذا خطوة استدعاء السفراء، بقوة الشرعية وحصانتها، كل ذلك ضروري ومفيد، بشرط أن يكون استكمالاً لأسلحة المواجهة وإعداداً لمسرحها الواسع… والأهم: إعداداً للنفس على تقبل الثمن الذي لا بد من دفعه لاستنقاذ لبنان بجمهوريته ونظامه والرئاسات.
لا بد من المواجهة. ولا مهرب من المبادرة إليها وفيها.
لا بد من أن يقدم العهد نفسه إلى اللبنانيين بوصفه صاحب القرار الذي كان معطلاً، وصاحب الموقف الذي كان يغيبه الانقسام، وصاحب المبادرة التي كانت تعطلها المساومة الاضطرارية.. في انتظار انتخاب رئيس جديد للجمهورية العتيقة.
لقد جاء رينيه معوض رئيساً بإجمال لبناني – عربي – دولي عز نظيره،
لكن هذا الإجماع قصير العمر في ظل أوضاع مضطربة تعيشها هذه البلاد التي طالما وصفت بأن السياسة فيها رمال متحركة.
فإذا ما تقاعس “رئيس الإجماع” أو تباطأ أو ساوم على رئاسته وشرعيته وجمهوريته، انفض الآخرون من حوله وهم ينفضون أطواقهم قائلين: لقد فعلنا ما علينا لكن أضاع كل شيء. لقد أعطيناه الملك فلم يصنه. لقد أوصلنا اللبنانيين إلى بر الأمان لكنهم رفضوا جهدنا لإنقاذهم، فليذهبوا – ومعهم رئيسهم وجمهوريتهم وديمقراطيتهم!! – إلى جهنم وبئس المصير.
… ولقد مضى الأسبوع لاأول، يا فخامة الرئيس،
فاجعل عينك على الساعة حتى لا يمضي الوقت سريعاً فينقلب سلاحاً ضد لبنان بدل أن يكون سلاحك الأقوى – بعد الشرعية – في مواجهة المتمردين على الشرعية والخارجين عليها بقوة السلاح… وبقوة الوقت الذي ظل طويلاً لا يجد من يحسن استخدامه.