طريفة هي حكاية المراقبين الدوليين الذين سيتولون حماية الولادة المتعسرة للكانتون الجديد الهجين على أرض فلسطين!!
كأنما لم يعد ينقص ذلك “الكانتون” سوى بعض “القبعات الزرقاء” حتى يستوي “كياناً سوياً” فيستنقذ للفلسطينيين حقوقهم في أرضهم بحماية دولية غير قابلة للاختراق!
إنها الحلقة الأخيرة في الطوق، فبعد تلزيم الأمن والسيادة لإسرائيل، والتمويل للقادرين على إنعاش الاحتلال الإسرائيلي بتحمل أكلافه، ها هم “المراقبون الدوليون” آتون لحماية قبيلة “المستوطنين الفلسطينيين” الضعيفة من عدوان القبائل الشرسة للمستوطنين الإسرائيليين!
إنها خطوة إضافية على طريق اعتبار الفلسطينيين “جالية أجنبية” على “أرض إسرائيل”، يحق لها أن تتمتع ببعض حقوق الأقليات، كأن تكون لها لغتها الخاصة وشعائرها الخاصة، بما في ذلك العلم والنشيد، والفنون الفولكلورية جميعاً بما في ذلك الشرطة، وفوق ذلك كله مراقبون دوليون لضمان ممارسة هذه الحقوق!
وليس من السهل أن نجزم هل هذا الحزام “الدولي” الجديد لتأكيد تبعية الفلسطينيين ، أمنياً وسياسياً واقتصادياً للاحتلال الإسرائيلي، أم أنه لضمان الفصل المطلق بين فلسطينيي الداخل وداخل الداخل ثم بين هؤلاء مجتمعين وبين سائر الفلسطينيين في الشتات، ثم بينهم جميعاً وبين سائر العرب.
لقد نجح النظام العالمي الجديد (في ظل النظام العربي القديم) في أن يحول قضية فلسطين إلى شأن داخلي إسرائيلي، بل إلى مسألة أمنية إسرائيلية، فشطب طبيعتها القومية ثم طبيعتها الوطنية، بل وحتى طبيعتها السياسية،
ولأنها مسألة أمنية إسرائيلية فقد جاء العالم كله ليساعد على حلها: سياسياً بعزلها داخل نطاق السيادة الإسرائيلية، واقتصادياً بتمويل المشروعات والخطط الرامية إلى استحداث بنية تحتية للأراضي المحتلة وتفريج الأزمة الاجتماعية التي تستولد “الانتفاضة” وربما الثورة، وتهدد مصير صاحب التوقيع على مشاريع الحلول التي طرحها الكيان الصهيوني لحماية ذاته من الخطر الفلسطيني، واستطراداً العربي، أصولياً كان أم قومياً أم وطنياً أم خلاصة اجتماع هذه العناصرص جميعاً.
لكأن المراقبين الدوليين سيتولون الإشراف على حسن التزام “الشرطة الفلسطينية” العتيدة بمهمتها المحددة سلفاً: قمع انتفاضة الفلسطينيين أو أي تحرك معترض أو معارض لاتفاق أوسلو العتيد، بملحقاته الأمنية كافة.
أما الحماية من “غولدشتاين” فتحتاج إلى أكثر من “مراقبين”، إذ ظهر هذا المستوطن الأميركي “المخبول” وكأنه الرمز الفعلي والدائم لإسرائيل الماضي والحاضر والمستقبل.
من في العالم كله يستطيع مواجهة “غولدشتاين” خصوصاً متى كشفت هويته (الأصلية؟) الأميركية؟!
إن اتفاق غزة – أريحا يندرج نزولاً من إعلان ولادة الكيان الفلسطيني إلى مشروع عزل الفلسطينيين في كانتون مسور بالنار والبارود، أمنياً، وبالمال المربوط قراره إسرائيلياً، وموضوع تحت الوصاية الدولية سياسياً.
كأنما الشعب الفلسطيني قاصر سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ولا بد من الحجر عليه حتى لا يؤذي غيره أو يؤذي نفسه!
ليست هذه “كردستان العراق” التي يتطوع العالم لحمايتها من وطنها ومن عراقيتها بحجة منع صدام حسين من تدميرها.
إنها “المعبر” الإسرائيلي إلى الوطن العربي، ويجب أن تتم حمايته من أهله الفلسطينيين داخلياً، كما من سائر العرب على طرفه الثاني.
فالحكم الذاتي هو أن تحكم إسرائيل “الذات” الفلسطينية، وأن تعبر إسرائيل من خلال “فلسطين” وبوجهها إلى العرب، وأن تلغي إسرائيل هوية العرب (أرضاً وشعباً) عبر مسخ الفلسطيني وجعله “حصان طروادة” يحملها إلى “الشرق الأوسط”،
فهي تحاول احتواء الفلسطيني وتدجينه لإنهاء فلسطين،
إنها حماية دولية لغولدشتاين.
إنها عملية مسخ إضافية لذلك الكانتون الفلسطيني الجديد من قبل أن يولد.