طلال سلمان

على الطريق في خيمة الخميني…

صغير هو الغالم! إنه يكاد ينحشر هنا في هذه الخيمة الزرقاء الضئيلة والفقيرة التي أقيمت على عجل فوق هذه الأرض البعيدة ليأوي إليها هؤلاء الغرباء الناطقة وجوههم بالشقاء وبؤس أن يكون الإنسان رعية لملك!
صغير هو العالم! فها هو يركز أبصاره، عدساته، أجهزة الإنصات والتسجيل على شيخ أسود العمامة أبيض اللحية بسيط الثياب والملامح، ولا شيء يميزه غير تلك النظرة الثاقبة والقادرة على اختراق التاريخ بحيث تدمج – في اللحظة – بين الماضي والمستقبل، بين الذي كان وذلك الذي كان ينبغي أن يكون ثم ما لا بد أن يكون، واثقة من إنه بالفعل سيكون.
” – لقد خرج الشاه، لقد اقتلعناه، بالضبط كما قال السيد، لكن المعركة مفتوحة بعد، ألم نسمع خطبة السيد، أمس؟ ألم تقرأ بيانه اليوم؟! علينا أن ندمر النظام ونسقطه، إنهم يحاولون افتداء النظام الشاهنشاهي بالشاه نفسه، لكنهم لن يخدعونا، ماذا يعني أن يخرج الشاه وتبقى مؤسسات نظامه المعادية للإسلام، للقرآن، لشعب إيران وللمسلمين جميعاً؟! لا بد أن تخرج أميركا أيضاً وإسرائيل وكل الخونة الذين تواطئوا مع الشاه ومشوا في ركابه فوق جثثنا.
“تريد معرفة اسمي؟! هذا لا يهم، إنني أردد كلمات السيد، أنا مواطن من هذا الشعب الذي أذله الشاه حتى نصره الله عليه بالخميني”.
… وتأتي اللحظة الموجعة حتى قبل أن نستعد لها:
“- الأخوة عرب؟! اسمحوا لي أن أقول لكم شيئاً، وهو في أي حال رأي شخصي ولا علاقة للسيد به: إننا حزانى لأجلكم عموماً، ولأجل مصر خاصة! إننا نأبى لها هذه الإهانة يوجهها إليها السادات، المارق والخائن! لقد علمتنا مصر النضال، في يوم مضى، ونعرف إنها لو ملكت القرار لما استقبلت الشاه المخلوع، إنها إهانة جديدة لمصر تعادل إهانتها برحلة القدس المشؤومة وباتفاقات كامب ديفيد”.
ولعلهم أحسوا بوجعنا فاستدرك أحدهم:
“- على إننا واثقون أن مصر الشعب، مصر عبد الناصر، مصر العبور سوف تستعبد دورها وتستأنف مسيرها النضالية… ولن نتخلى عن مصر”.
يضيف شاب ملتح يتقن العربية:
“- وعشية الذكرى الثانية لانتفاضة 18 و19 يناير ؟! هذا كثير! وفي أسوان، أسوان السد العالي وإرادة التحرر والصمود في وجه الأعداء جميعاً؟! إن الإهانة موجهة إيلنا جميعاً!”.
ينقطع الحوار فجأة حين يرتفع صوت : الله أكبر! الله أكبر!
يهب الحشد المضغوط داخل الخيمة وقوفاً، ومع إطلالة السيد يكون الهتاف قد تحول إلى ما يشبه النشيد: اللهم صل على محمد وآل محمد! الله صل على محمد وآل محمد! الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!
يستدير باتجاه القبلة، ويرفع أحد الشبان الآذان، داخل الخيمة التي امتد ظلها الآن ليغطي إيران كلها، وما حولها وصولاً إلى حدود الصين وإلى أقصى الغرب في أفريقياز
وتستشعر ، بغير إرادة منك، حاجة إلى إعادة النصر في كثير من المفاهيم والمقولات والقيم التي كنت تعتبرها من الثوابت: ليس في الأمر سحر، فالعالم هو عالم الربع الأخير من القرن العشرين، والناس هم من تعرف، لكن ما يجري أعقد من أن تستطيع تحديد أبعاده بالمصطلحات السيارة!
هذا “الشايب” المنفي، الطريد، الشريد، فرض النفي على من نفاه، لقد خلع ملك الملوك، وبغير أن يحمل سلاحاً إلا الإيمان وإلا هذا الارتباط المكين بقضية شعبه المقهور بعرش آل بهلوي منذ أكثر من نصف قرن.
وهو عائد (غداً؟ بعد غد؟ بعد أسبوع؟) إلى إيران التي لم يخرج منها أبداً، بينما خرج ذلك الذي لم يكن فيها ومنها وبها أبداً.
ولقد سبقته إلى أرض فارس “الجمهورية الإسلامية” التي ستكون بداية لعصر جديد فيه الكثير من عبق الماضي لكنه ليس غريباً لا عن الحاضر ولا خاصة عن المستقبل، بالتكنولوجيا فيه وسائر رسائل التقدم الإنساني المذهل.
“- أتعرف أن خطب السيد وبياناته تغطي طهران وأرجاء إيران كافة بعد ساعات قليلة من إعلانها هنا؟ من قال إن الدين يتعارض مع التقدم؟ من قال إن الدين هو التخلف؟! من يريد إقناعنا أن الانتماء إلى العصر يتم بالمحافظة على الإمبراطورية والملكية والخضوع لأميركا وإسرائيل، وقهر الجماهير الكادحة وسحق انتفاضات الجياع بالحديد والنار؟ّ!”
اقترت موعدنا مع “السيد” فودعنا بعض الذين كانوا معنا وهم “يبلغوننا” بلهجة جازمة: “إلى اللقاء في طهران، لن يستغرق الأمر أكثر من أيام، فلتكن حقائبكم جاهزة… ومن يدري لعل الحظ يخدمكم فتصحبون “السيد” على طائرة “الجمهورية واحد”… لا تسيئوا فهم الكلام، السيد لن يكون رئيساً للجمهورية، “السيد” فوق المناصب والرئاسات، السيد هو القائد، ولكن، آن الأوان لأن يعود أبو ذر الغفاري من منفاه، أليس كذلك؟”
وجاء الدكتور يزدي ومعه الشيخ إملائي ليصحبانا إلى حيث “السيد” وصورة إيران الجديدة: إيران آية الله الخميني.

Exit mobile version