ماتت الجمهورية الثانية، عاشت سوليدير الأولى!
تلك سنة الحياة: فالبقاء للأفضل، والأفضل هو الأغنى!
والمقارنة فضاحة وقاسية (عاطفياً) في خواتيمها: فلا مجال بعد للتعايش بين “دولة” تتهاوى مؤسساتها في انتظار إعلان إفلاسها، خصوصاً وأن حكومتها لا تستطيع إصدار موازنة متوازنة، برغم كل فنون التلفيق والتزوير والتعديل في الأرقام، وبين شركة ممتلئة صحة ودولارات تتصاعد قيمة أسهمها كل ساعة وتقتحم الأسواق المالية العالمية من أوسع أبوابها لتؤكد قيامة لبنان الجديد!
.. وهو لبنان جديد حقاً: فالجمهورية القديمة مجرد عامل تنظيفات ومسهل معاملات وشرطي جاهز للتدخل، في خدمة “سوليدير”، وهي الشركة – الأم التي ستنجب من الشركات الشقيقة والصديقة ما يكفي لتغطية الـ 10452 كلم2 ويزيد!
وحين وقف رفيق الحريري عند الطرف الشمالي الشرقي لساحة الشهداء (القديمة) ظهر الأربعاء في 21 أيلول 1994 يزف إلى اللبنانيين بشرى وضع حجر الأساس لـ “العهد الجديد” فإنه كان غاية في اللياقة وهو يضع أوسمة الاستحقاق الذهبية على نعوش رجال الدولة القديمة الذين أتموا واجباتهم حياله ثم تواروا ودولتهم ليخلوا له طريق المستقبل!
لم ينس رفيق الحريري واحداً ممن ساعدوا في تمكين الشركة من وراثة “الدولة” سلماً ومن دون حروب وضحايا ودماء وخسائر في الكرامات أو الأرزاق!
كان للرئيس الياس الهراوي النصيب الأوفر من الأوسمة والنياشين والأوشحة، مع تلويح صريح بمجد الأيام الآتية تعويضاً عن شقاء الولاية الأولى التي مرت سريعة وحافلة بالمنغصات والمكدرات وضيق ذات اليد!
ثم جاء دور المجالس النيابية، الأسبق والسابق والحالي، فأنصفها الرجل الذي يعرف قيمة الرجال والتواقيع والأختام والجللسات المضنية، ويتقن فن تثمين الكفاءة والقدرة على حسم النقاش الشائك بسيف “المادة الوحيدة” القاطع،
بعد ذلك جاء دور الحكومة السابقة على السابقة، فإذا التحية تذهب مباشرة لشخص رئيسها الذي يهدد الآن بالاستقالة من النيابة أو بالعصيان المدني طالما أن خيرات “سوليدير” التي أعطاها كل ذلك العطاء لا تشمل الشمال وعاصمته طرابلس المضطهدة بالحرمان على امتداد عمر الجمهوريتين الأولى والثانية.
كاد الحريري يسمي كل الذين ساعدوا على التمهيد لمجيئه ومجيء ءشركته كبديل عن الدولة المقصرة والعاجزة عن القيام بالحد الأدنى من واجباتها.
أنتم السابقون، بل الفاشلون.. قال، أنتم الماضي المدان، أما الشركة فهي الغد الأفضل.
ماتت الجمهورية الثانية، عاشت سوليدير الأولى!
وطبيعي أن تموت “جمهورية” لا يريد لها أحد الحياة: فلا أهل الذهب ارتضوا أن يمدوا إليها يد العون بالمساعدات والهبات والصدقات، أو حتى القروض، ولا أهل النفوذ قبلوا بأن يرفعوا اسمها عن قائمة الإرهاب أو يسمحوا لرعاياهم بالقدوم إليها!
أما “الشركة” فلها كل ما تطلب وأكثر: تطلب مائة وخمسين مليون دولار فتعطي ثلاثمائة، فإن ألمحت إلى أن حاجتها أربعمائة مليون دولارجمع لها الخيرون ثمانمائة مليون في غمضة عين!
ما شاء الله!
ولكن ما سر هذه الحماسة الفائقة للبنان – الشركة، بينما لبنان – الدولة منسي لا يجد من يلتفت إليه أو يذكره (وشعبه) بكلمة خير؟!
لماذا تمنع المساعدة، ولو بالقرض المرتفع الفائدة، عن لبنان – الدولة، في حين تغدق القروض على شركة وليدة لم تنجز شيئاً بعد غير مصادرة حقوق أصحاب الحقوق وحصة الدولة في وسط بيروت؟!
كثير من أهل العلم والاختصاص يناقشون الآن “الإنجاز” الذي تحقق في لندن، عبر بيع كامل الإصدار الأول لسندات الخزينة بالدولار، البعض يعترض على سعر الفائدة مأخوذة بالاعتبار مدة سداد القرض.
والبعض الآخر يثير، مجدداً، اللغط القديم حول ا لوسيط أو المسوّق لهذه الصفقة، وهي شركة “ميريل لينش” الأميركية، التي سبق أن وجهت إليها اتهامات قاسية بينها الادعاء بأنها “بيضت” أموالاً سوداء لجماعات من المافيا الدولية وتجار المخدرات.
وبعض ثالث يناقش موقع هذا القرض ووجوه إنفاقه المقررة بالمقارنة مع الأولويات التي كان يفترض أن تحكم نهج الحكومة في ظل الضائقة الاقتصادية – الاجتماعية الخانقة التي يعيشها اللبنانيون المطاردون بهاجس إفلاس دولتهم وشح مواردهم الذاتية.
والحقيقة في مكان آخر،
الحقيقة أن الشركة استخدمت الدولة (وخزينتها) مرة أخرى كمسهل معاملات لاستكمال شروط نجاح مشروعها الجبار.
إن الطريق الدائري وإنماء الضواحي وسائر ما تضمنته الأهداف المعلنة للقرض الجديد، عبر بيع سندات الخزينة بالدولار، إنما هي بعض متممات المشروع العقاري الضخم: إعادة إعمار الوسط التجاري لمدينة بيروت، بما فيه ردم البحر وقيام أبراجه الخارقة.
إن الشركة قد استخدمت الدولة القديمة والمتهالكة، مرة أخرى، من أجل مشروعها الذي يعتبره كثيرون واحدة من أكبر عمليات النهب المنظم (والمشرعن) في التاريخ الحديث!
ومن حق رفيق الحريري أن يتباهى بأنه “المليء” في دولة مفلسة، والرابح الكبير وسط مجموعة من الفاشلين، والمنجز ضمن قافلة من المقصرين.
لقد حاولوا على امتداد نصف قرن أن يبنوا دولة فلم ينتجوا إلا مزرعة، وها قد جاء من يعرف كيف يستثمر تلك المزرعة وكيف يديرها (وهم فيها) لحسابه!
وأمس، جمع الحريري حكومته (للمرة الثالثة) كي تؤمن دفع الرواتب لعمال التنظيمات ومسهلي المعاملات والشرطة الذين سيتولون خدمة شركته،
أما “الكبار” فقد نالوا نصيبهم من قبل،
ولأول مرة يمكن لرجل فرد أن يدعي أنه “صاحب الدولة” بحق وحقوق!
ومن ثم فله كامل الحق بأن يسميها “سوليدير” أو أي اسم له وهج الذهب ومذاق العسل وملمس الحرير.